حين تصبح الأولوية لترتيب المقاعد في وقت يعاد فيه ترتيب خريطة الضفة الغربية
هناك لحظات في تاريخ الشعوب يصبح فيها الخطأ في ترتيب الأولويات أخطر من الخطأ في اتخاذ القرار.
وما يجري اليوم في الضفة الغربية يبدو واحداً من هذه اللحظات.
فبينما تتحرك حكومة الاحتلال لفرض وقائع جديدة على الأرض، وتتوسع المستوطنات والطرق المرتبطة بها، وتصل أوامر الاستيلاء على الأراضي إلى المنطقة «أ» نفسها، تنشغل حركة فتح والسلطة الفلسطينية بالتحضير لانتخابات تشريعية جديدة، وكأن الخلاف الحقيقي اليوم هو: من يجلس على أي مقعد؟ ومن يحصل على الأغلبية؟ ومن يدخل المجلس التشريعي؟
المشكلة ليست في الانتخابات.
فالشعب الفلسطيني يحتاج إلى انتخابات حقيقية بعد سنوات طويلة من الجمود السياسي، ويحتاج إلى تجديد شرعياته ومؤسساته وقياداته.
لكن السؤال هو: انتخابات على ماذا؟
ماذا يبقى من السلطة إذا كانت الأرض التي يفترض أن تمارس عليها سلطتها يجري انتزاعها قطعة بعد أخرى؟
وماذا تعني صناديق الاقتراع إذا كانت الخريطة نفسها التي ستقام عليها الانتخابات تتغير تحت أقدام الناخبين؟
المنطقة «أ».. الخط الأحمر الذي بدأ يهتز
منذ اتفاق أوسلو، قُسمت الضفة الغربية إلى مناطق «أ» و«ب» و«ج».
وكان يفترض أن تمثل المنطقة «أ» القلب الإداري الفلسطيني، حيث تتمتع السلطة الفلسطينية فيها بصلاحيات مدنية وأمنية واسعة.
لكن التطورات الأخيرة تحمل دلالة أخطر بكثير من مجرد بناء مستوطنة إضافية.
فقد وثقت منظمة العفو الدولية صدور أوامر للاستيلاء على أراضٍ في محافظة جنين تشمل أراضي داخل المنطقتين «أ» و«ج»، بهدف يرتبط، بحسب المنظمة، بإنشاء بنية تصل بين مستوطنتين مخطط لهما.
ووفق المنظمة، فإنها المرة الأولى منذ اتفاقات أوسلو التي تصدر فيها أوامر استيلاء عسكرية على أراضٍ في المنطقة «أ» بصورة معلنة لأغراض مدنية تخدم المستوطنين.
إذا ترسخ هذا المسار، فإن المسألة لم تعد فقط صراعاً على المنطقة «ج».
إنها مسألة تتعلق بما تبقى من مفهوم السلطة الفلسطينية نفسه.
فالمنطقة التي قيل للفلسطينيين إنها تحت إدارتهم لم تعد بمنأى عن مشروع إعادة رسم الخريطة.
وفي رام الله.. الاستعداد للانتخابات
في المقابل، اجتمعت اللجنة المركزية لحركة فتح في رام الله قبل أيام.
ناقشت التطورات السياسية والميدانية، نعم.
لكنها ناقشت أيضاً بالتفصيل الاستعدادات التنظيمية للانتخابات العامة المقبلة، وتقارير اللجان والتجمعات الانتخابية وجاهزية الحركة في المحافظات.
والرئيس محمود عباس يؤكد أن الانتخابات التشريعية ستجرى في 28 نوفمبر المقبل.
وهنا تكمن المفارقة.
الاحتلال يناقش الجغرافيا، بينما الفلسطينيون يناقشون الصناديق.
الاحتلال يرسم طرقاً ومستوطنات وحدوداً جديدة على الأرض، بينما القوى الفلسطينية ترسم قوائم انتخابية وتحالفات.
الاحتلال يفكر في شكل الضفة الغربية بعد عشر سنوات، بينما تنشغل الطبقة السياسية الفلسطينية بمن سيحصل على عدد أكبر من المقاعد بعد الانتخابات.
هذه ليست دعوة لإلغاء الديمقراطية.
بل هي دعوة إلى ألا تتحول الديمقراطية إلى ستار يخفي انهيار المشروع الوطني.
انتخابات عبثية إذا لم يكن هناك مشروع
يمكن للانتخابات أن تكون عملاً وطنياً عظيماً.
ويمكنها أيضاً أن تتحول إلى تمرين عبثي.
الفارق بين الحالتين هو وجود مشروع سياسي.
إذا جاءت الانتخابات لإعادة بناء منظمة التحرير، وتجديد الشرعية الفلسطينية، وإنهاء الانقسام، وتوحيد الضفة وغزة تحت قيادة سياسية واحدة، وتحديد استراتيجية فلسطينية لمواجهة الاستيطان والضم، فإنها قد تكون ضرورة وطنية.
أما إذا أصبحت الانتخابات مجرد إعادة توزيع للمناصب بين القوى نفسها، فإن الفلسطينيين سيكونون أمام مفارقة قاسية:
انتخاب سلطة بينما تتآكل الأرض التي يفترض أن تحكمها هذه السلطة.
والأرقام التي خرجت من الانتخابات المحلية الأخيرة تحمل رسالة لا ينبغي تجاهلها.
فبحسب لجنة الانتخابات المركزية، جرى الاقتراع في 183 هيئة محلية فقط، بينما حُسمت 197 هيئة بالتزكية ولم يتقدم أحد للترشح في 40 هيئة أخرى.
وفي المجالس البلدية التي شهدت تنافساً، شكل المستقلون النسبة الساحقة من المرشحين مقابل حضور حزبي محدود.
أما مركز كارتر فخلص، رغم إشادته بالإدارة الفنية للعملية، إلى أن العملية الديمقراطية لم تتحقق بصورة كاملة، مشيراً إلى محدودية المنافسة والمقاطعة الحزبية والظروف السياسية والأمنية والإنسانية الاستثنائية.
أي أن صناديق الاقتراع وحدها لا تصنع حياة سياسية.
أخطر من الاستيطان: تحويل المدن إلى جزر
المشروع الأخطر في الضفة ليس عدد الوحدات الاستيطانية فقط.
إنه الجغرافيا.
طرق للمستوطنين.
مستوطنات تتصل بمستوطنات.
حواجز تفصل مدينة عن أخرى.
ومناطق فلسطينية تتحول تدريجياً إلى جيوب منفصلة.
وفي محافظة جنين تحديداً، حذرت الجهات الفلسطينية ومنظمات حقوقية من أن مشاريع الطرق والاستيطان الجديدة قد تفصل جنين عن مناطق فلسطينية مجاورة وتضرب الترابط الاقتصادي والجغرافي بينها.
وفي وسط الضفة، يمثل مشروع «إي1» خطراً آخر، لأنه يمكن أن يعزل القدس الشرقية عن بقية الأراضي الفلسطينية ويزيد من تقطيع التواصل بين شمال الضفة وجنوبها.
وهنا نفهم المعركة الحقيقية.
ليست القضية فقط أن الاحتلال يريد مزيداً من الأرض.
بل يريد إعادة هندسة الأرض بحيث يصبح قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافياً أكثر صعوبة.
وهذا تحديداً ما بدأت بريطانيا ودول أخرى التحذير منه.
فتح أمام امتحان تاريخي
فتح ليست حزباً فلسطينياً عادياً.
إنها الحركة التي قادت المشروع الوطني الفلسطيني لعقود، ومنها خرجت قيادة منظمة التحرير والسلطة.
ولذلك فإن المسؤولية التاريخية الواقعة عليها أكبر.
ليس المطلوب من فتح أن تلغي الانتخابات.
المطلوب أن تسأل نفسها أولاً:
ما البرنامج الذي ستذهب به إلى الانتخابات؟
كيف ستواجه الاستيطان؟
ماذا ستفعل إذا امتد مشروع السيطرة إلى المنطقة «أ»؟
ما مصير اتفاق أوسلو إذا كانت التقسيمات التي قام عليها تُفرغ من مضمونها على الأرض؟
وما الاستراتيجية الفلسطينية إذا أصبح حل الدولتين نفسه مهدداً جغرافياً وليس سياسياً فقط؟
هذه الأسئلة أهم من أسماء المرشحين وترتيب القوائم وعدد المقاعد.
السلطة التي تحرس ما يتبقى
المفارقة المؤلمة أن السلطة الفلسطينية أنشئت أصلاً كمرحلة انتقالية يفترض أن تقود في النهاية إلى دولة فلسطينية.
لكن المرحلة الانتقالية امتدت أكثر من ثلاثة عقود.
وخلالها توسع الاستيطان، وتعقدت الخريطة، وتعمق الانقسام الفلسطيني، وبقيت الدولة مؤجلة.
واليوم يبرز السؤال الذي حاول الجميع تجنبه لسنوات:
هل بقيت السلطة طريقاً إلى الدولة، أم أصبحت مؤسسة لإدارة الفلسطينيين داخل مساحة تتقلص باستمرار؟
هذا السؤال يجب أن يكون في قلب أي انتخابات فلسطينية مقبلة.
لأن انتخاب مجلس تشريعي جديد من دون الإجابة عنه يعني تغيير الأشخاص وترك المعادلة كما هي.
المعركة ليست على الصندوق.. بل على الأرض
الديمقراطية الفلسطينية ضرورية.
وتجديد الشرعية ضرورة.
وإنهاء احتكار السلطة ضرورة.
لكن هناك ضرورة تسبق كل ذلك:
ألا تضيع فلسطين بينما يتنافس الفلسطينيون على من يدير ما تبقى منها.
حين تتحرك الجرافة، لا يكفي أن تتحرك لجنة الانتخابات.
وحين تصل أوامر الاستيلاء إلى أراضٍ داخل المنطقة «أ»، لا يكفي إصدار بيان إدانة ثم العودة إلى اجتماعات القوائم والمرشحين.
وحين تتحول الضفة الغربية تدريجياً إلى كانتونات منفصلة، يصبح السؤال أكبر من فتح وحماس والسلطة والمعارضة.
السؤال يصبح:
هل ستبقى هناك جغرافيا يمكن أن تقوم عليها الدولة الفلسطينية أصلاً؟
قد تكون الانتخابات المقبلة فرصة تاريخية إذا تحولت إلى مدخل لإعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني وتوحيد القرار السياسي ووضع استراتيجية واضحة لمواجهة الضم والاستيطان.
أما إذا كانت مجرد انتخابات على مقاعد سلطة تتآكل سيادتها وتتقلص جغرافيتها، فستكون المفارقة شديدة القسوة:
هم يرسمون حدود الأرض… ونحن نعيد ترتيب الكراسي فوقها.

