الفائض التجاري يرتفع إلى 119 مليار دولار في أغسطس.. والصادرات إلى الولايات المتحدة تقفز 34.4% قبل محطة جديدة في العلاقات بين شي وترامب
سجلت التجارة الخارجية الصينية قفزة قوية خلال أغسطس، مدفوعة بارتفاع الطلب العالمي على السيارات وأشباه الموصلات ومعدات الحوسبة والمنتجات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، في مؤشر جديد على استمرار قدرة ثاني أكبر اقتصاد في العالم على توظيف قوته الصناعية والتكنولوجية لدعم النمو رغم ضعف الطلب في السوق المحلية.
وأظهرت بيانات الإدارة العامة للجمارك الصينية، الصادرة الثلاثاء، ارتفاع صادرات الصين المقومة بالدولار بنسبة 25 في المئة على أساس سنوي خلال أغسطس، متسارعة من نمو بلغ 23.9 في المئة في يوليو.
وفي المقابل، قفزت الواردات بنسبة 28.2 في المئة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، بعد ارتفاعها 27.5 في المئة في يوليو.
وأسفرت حركة التجارة عن تسجيل الصين فائضاً تجارياً بلغ نحو 119.09 مليار دولار خلال أغسطس، مقارنة بنحو 112.5 مليار دولار في الشهر السابق.
التكنولوجيا تقود الصادرات
ولا تكمن أهمية الأرقام في حجم النمو وحده، وإنما في طبيعة السلع التي أصبحت تقود الصادرات الصينية.
فقد لعب الطلب العالمي المتزايد على التكنولوجيا المرتبطة بثورة الذكاء الاصطناعي دوراً رئيسياً في دعم التجارة الصينية، مع زيادة الطلب على أشباه الموصلات ومعدات الحوسبة والسيارات وغيرها من المنتجات عالية التقنية.
وأظهرت بيانات الجمارك أن قيمة صادرات أجهزة الكمبيوتر والأجزاء المرتبطة بها ارتفعت 49.4 في المئة خلال الفترة من يناير إلى أغسطس.
وتشير هذه الأرقام إلى تحول متواصل في هيكل الصادرات الصينية من المنتجات التقليدية كثيفة العمالة إلى قطاعات ذات قيمة تكنولوجية وصناعية أعلى.
وكانت بيانات رسمية صينية سابقة قد أظهرت بالفعل تسارع صادرات منتجات مثل السيارات الكهربائية والبطاريات والروبوتات الصناعية والطابعات ثلاثية الأبعاد، وهي قطاعات تعتبرها بكين جزءاً أساسياً من استراتيجيتها الصناعية المستقبلية.
مفاجأة أمريكية
ومن أبرز الأرقام التي حملتها بيانات أغسطس ارتفاع الصادرات الصينية إلى الولايات المتحدة بنسبة 34.4 في المئة على أساس سنوي، مقارنة بارتفاع بلغ 17 في المئة خلال يوليو.
وسجلت الصين فائضاً تجارياً مع الولايات المتحدة بلغ نحو 29.2 مليار دولار خلال الشهر.
وتكتسب هذه الأرقام أهمية سياسية تتجاوز الاقتصاد، نظراً إلى استمرار الخلاف التجاري والاستراتيجي بين واشنطن وبكين حول الرسوم الجمركية والتكنولوجيا وأشباه الموصلات والمعادن الأرضية النادرة والاستثمارات.
كما تأتي في وقت تحاول فيه القوتان إدارة خلافاتهما التجارية والمحافظة على الهدنة التي توصلتا إليها أواخر العام الماضي.
5.13 تريليون دولار تجارة في ثمانية أشهر
وتظهر البيانات الرسمية الصينية صورة أوسع لحجم التجارة.
فقد بلغت قيمة تجارة الصين من السلع خلال الأشهر الثمانية الأولى من 2026 نحو 34.78 تريليون يوان، أي ما يعادل قرابة 5.13 تريليون دولار، بزيادة 17.6 في المئة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.
وبلغت الصادرات خلال تلك الفترة 20.17 تريليون يوان، بزيادة 14.6 في المئة، فيما ارتفعت الواردات 22 في المئة إلى 14.61 تريليون يوان.
أما خلال أغسطس وحده، فوصل إجمالي التجارة الصينية باليوان إلى 4.65 تريليون يوان، مسجلاً الشهر السادس على التوالي الذي تتجاوز فيه التجارة مستوى أربعة تريليونات يوان.
قوة في الخارج.. وضعف في الداخل
لكن الأداء التجاري القوي يخفي وراءه تحدياً مهماً للاقتصاد الصيني.
ففي الوقت الذي تحقق فيه المصانع الصينية أداءً قوياً في الأسواق الخارجية، لا يزال الاستهلاك والاستثمار وسوق العقارات في الداخل يعانون من الضعف.
وترى «رويترز» أن التباين بين الصادرات القوية والنشاط المحلي الضعيف يكشف استمرار اعتماد بكين على الطلب الخارجي للمساعدة في دعم النمو، بينما تحاول الحكومة تنشيط الاستهلاك والاستثمار المحليين وتحقيق هدف نمو يتراوح بين 4.5 و5 في المئة خلال العام الجاري.
ولهذا تتحول قوة الصادرات إلى سلاح ذي حدين بالنسبة لبكين: فهي توفر دعماً مهماً للنمو والتوظيف والصناعة، لكنها تزيد في الوقت نفسه مخاطر الاحتكاكات التجارية مع الاقتصادات الكبرى.
مخاوف من «الفائض الصيني»
وتزداد هذه المخاوف مع ارتفاع الأصوات الدولية التي ترى أن تدفق المنتجات الصينية منخفضة التكلفة إلى الأسواق العالمية يمكن أن يضر بالصناعات المحلية في دول أخرى.
وكان وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت قد أعلن الأسبوع الماضي أن 19 عضواً في مجموعة العشرين اتفقوا على ضرورة معالجة التدفقات الكبيرة لما وصفه بالصادرات الرخيصة التي تسبب اختلالات في الاقتصاد العالمي، بينما خالفت الصين هذا التوجه.
ومن المتوقع لذلك أن تكون التجارة والطاقة الصناعية الصينية وأشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي من الملفات الرئيسية في المرحلة المقبلة من العلاقات بين بكين وواشنطن.
الصين تغير قواعد تجارتها
والرسالة الأهم في أرقام أغسطس قد لا تكون أن الصين تصدر أكثر فحسب، بل ماذا تصدر الصين.
فبعد عقود ارتبط خلالها اسم «صنع في الصين» بالسلع الاستهلاكية منخفضة التكلفة، أصبحت السيارات الكهربائية والبطاريات والرقائق الإلكترونية ومعدات الحوسبة والروبوتات والمنتجات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي تشكل جزءاً متزايداً من القوة التصديرية للبلاد.
وإذا استمر هذا الاتجاه، فإن المنافسة التجارية بين الصين والغرب قد تتحول بصورة متزايدة من صراع حول أسعار السلع والرسوم الجمركية إلى صراع على من يسيطر على الصناعات والتكنولوجيا التي ستقود الاقتصاد العالمي خلال العقود المقبلة.
اقرأ أيضًا:
الحرب التجارية تشتعل بين واشنطن وأوتاوا.. كندا تفرض رسوماً انتقامية على السلع الأمريكية

