السبت - 2026/09/05 5:52:50 صباحًا

NE

News Elementor

هذا الموقع بــرعاية

بعد النفط… هل تستطيع الكويت بناء «جمهوريتها التقنية»؟

لم تعد ثروة الدول تُقاس فقط بما تملكه من نفط وغاز واحتياطيات مالية، ولا بعدد المصانع والطائرات والسفن التي تمتلكها. هناك ثروة جديدة تتشكل أمام أعيننا بسرعة هائلة: البيانات، والذكاء الاصطناعي، والقدرة الحاسوبية، والعقول التي تستطيع تحويلها إلى قوة اقتصادية وسياسية وأمنية.

وهذه تحديداً هي القضية التي يضعها أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لشركة «بالانتير»، ومعه نيكولاس زاميسكا، في قلب كتابهما «الجمهورية التقنية».

الكتاب لا يتحدث عن مستقبل بعيد، ولا يقدم نبوءات خيالية عن سيطرة الروبوتات على البشر. بل يطرح سؤالاً أكثر واقعية وإزعاجاً:

ماذا يحدث للدولة عندما تصبح التكنولوجيا أهم أدوات القوة في العالم، بينما تكتفي هي بشرائها من الآخرين؟

هذا السؤال يستحق أن نطرحه في الكويت اليوم.

ليس لأن الكويت متأخرة تكنولوجياً بالضرورة، بل لأن الانتقال الحقيقي المطلوب لم يعد من الحكومة الورقية إلى الحكومة الإلكترونية فقط، وإنما من الدولة التي تستخدم التكنولوجيا إلى الدولة التي تنتج القدرة التكنولوجية وتوظفها في صناعة القرار.

عندما هجر المهندسون المشروعات الكبرى

من أهم أفكار «الجمهورية التقنية» نقد التحول الذي حدث في قطاع التكنولوجيا خلال العقود الماضية.

فأليكس كارب يرى أن جزءاً كبيراً من أفضل العقول الهندسية في العالم الغربي ابتعد عن المشروعات الكبرى التي تبني قدرات الدول، واتجه إلى تطبيقات استهلاكية هدفها زيادة عدد النقرات، والمشاهدات، والإعلانات، والمبيعات.

لقد أصبح لدينا مهندسون يستطيعون بناء أنظمة مذهلة لمعرفة الإعلان الذي قد تضغط عليه، والفيديو الذي سيجعلك تبقى ثلاثين دقيقة إضافية أمام الهاتف، والمنتج الذي يحتمل أن تشتريه غداً.

لكن لماذا لا تُستخدم العبقرية نفسها للتنبؤ بنقص الأدوية؟

ولإدارة شبكات الكهرباء؟

ولتحسين المستشفيات؟

ولمراقبة سلاسل الغذاء؟

ولكشف الهدر؟

ولإدارة المرور؟

ولحماية البنية التحتية؟

ولبناء أنظمة دفاع وأمن سيبراني أكثر تطوراً؟

هنا تكمن الفكرة الأساسية في الكتاب:

على التكنولوجيا أن تعود إلى خدمة المشروعات الكبرى للمجتمع والدولة، وليس المستهلك وحده.

ماذا يعني ذلك للكويت؟

لو أردنا تطبيق هذه الفكرة في الكويت، فعلينا أولاً تغيير مفهومنا للتحول الرقمي.

تحويل معاملة حكومية من ورقة إلى تطبيق ليس نهاية التحول الرقمي.

إنها بدايته فقط.

الدولة الذكية الحقيقية هي التي تستطيع أن تستخدم البيانات لكي تعرف ما سيحدث قبل حدوثه.

تخيل مثلاً وجود منظومة وطنية للذكاء الاصطناعي تستطيع، ضمن ضوابط قانونية صارمة، قراءة المؤشرات الحكومية المختلفة وتحويلها إلى معرفة تساعد المسؤول على اتخاذ القرار.

قبل أن يحدث نقص في دواء معين، تعرف وزارة الصحة أن الطلب عليه يتجه للارتفاع.

قبل أن تصل شبكة الكهرباء إلى ذروة الضغط، تستطيع الجهات المختصة توقع مناطق الاستهلاك الأعلى.

قبل أن يتعثر مشروع حكومي بمئات الملايين، تستطيع منظومة تحليل البيانات اكتشاف مؤشرات التأخير وتضخم التكلفة.

وقبل أن ترتفع أسعار سلعة أساسية بصورة غير طبيعية، تستطيع وزارة التجارة رؤية الخلل في سلسلة التوريد.

هنا لا نكون أمام حكومة إلكترونية فقط.

بل أمام دولة تستخدم الذكاء الاصطناعي كجهاز عصبي يساعدها على رؤية نفسها.

الكويت تمتلك كنزاً أكبر مما نعتقد

الحكومة تمتلك كميات هائلة من البيانات.

الصحة لديها بيانات.

والتعليم لديه بيانات.

والتجارة لديها بيانات.

والبلدية لديها بيانات.

والمرور لديه بيانات.

والإسكان لديه بيانات.

والكهرباء والماء لديهما بيانات.

والجمارك لديها بيانات.

والمؤسسات الاقتصادية لديها بيانات.

لكن القيمة ليست في امتلاك البيانات.

القيمة في القدرة على ربط ما يسمح القانون بربطه منها، وفهمه وتحويله إلى قرار.

وهنا يمكن أن تبدأ الخطوة الكويتية نحو «الجمهورية التقنية».

ليس بإنشاء تطبيق حكومي جديد، بل ببناء منظومة وطنية للبيانات والذكاء الاصطناعي تعمل وفق تشريعات واضحة لحماية الخصوصية والأمن والمعلومات الشخصية.

فالهدف ليس أن تعرف الدولة كل شيء عن المواطن.

الهدف أن تعرف الدولة بصورة أفضل ما يحدث داخل الدولة نفسها.

والفارق بين الاثنين جوهري.

الحكومة يجب أن تصبح أول مشترٍ للابتكار الكويتي

هناك مشكلة أخرى تستحق النظر.

نطالب الشباب الكويتي بالابتكار.

نشجع المشروعات الصغيرة.

نقيم مسابقات للشركات الناشئة.

نمول بعض الأفكار.

ثم عندما تنتهي المسابقة، يعود صاحب المشروع للبحث عن عميل.

وهنا يجب قلب المعادلة.

بدلاً من أن تقول الحكومة للشباب: «ابتكروا»، عليها أن تقول:

هذه مشكلاتنا… من يستطيع حلها؟

تعلن الوزارات والمؤسسات سنوياً عشرات التحديات الحقيقية.

كيف نقلل الازدحام؟

كيف نكتشف الهدر؟

كيف نحسن توزيع سيارات الإسعاف؟

كيف نقلل استهلاك الطاقة؟

كيف نحسن النظافة؟

كيف نرفع كفاءة المستشفيات؟

كيف نساعد المشروعات الصغيرة؟

كيف نكشف الاحتيال الإلكتروني؟

ثم تتنافس الشركات الكويتية والجامعات والمبرمجون لتقديم حلول حقيقية.

ولا تكون الجائزة شهادة أو مكافأة مالية فقط.

بل عقداً حكومياً تجريبياً.

وهذا هو الفارق بين دولة تدعم الشركات الناشئة ودولة تصنع قطاعاً تكنولوجياً وطنياً.

لماذا نشتري التكنولوجيا ولا نبنيها؟

الكويت تستطيع شراء أحدث الأنظمة في العالم.

وهذه ميزة وفرتها الثروة النفطية.

لكن هناك فرقاً هائلاً بين شراء التكنولوجيا وامتلاك القدرة التكنولوجية.

يمكنك شراء أفضل نظام للذكاء الاصطناعي.

وأفضل خوادم.

وأفضل أنظمة للأمن السيبراني.

وأفضل طائرات.

وأفضل أجهزة طبية.

لكن ماذا لو تغيرت السياسة الدولية؟

ماذا لو تعطلت سلاسل الإمداد؟

ماذا لو فرضت دولة مصنعة قيوداً على تصدير تقنية حساسة؟

ماذا لو أصبحت الدولة تعتمد في قطاعاتها الحيوية على أنظمة لا تعرف فعلياً كيف تعمل؟

عندها نكتشف أن الاستقلال السياسي في القرن الحادي والعشرين يحتاج إلى درجة من الاستقلال التكنولوجي.

وليس المقصود أن تصنع الكويت كل شيء.

هذا غير واقعي اقتصادياً.

لكن عليها أن تسأل:

ما التقنيات التي لا يجوز أن نعتمد فيها اعتماداً كاملاً على الخارج؟

النفط يمكن أن يصنع اقتصاد ما بعد النفط

وهنا تظهر المفارقة الجميلة.

قد يكون النفط نفسه هو الذي يمول انتقال الكويت إلى مرحلة ما بعد الاعتماد على النفط.

بدلاً من النظر إلى الاستثمار التكنولوجي باعتباره مجرد شراء أسهم في شركات عالمية، يمكن تخصيص جزء من الاستثمار طويل الأجل لبناء قدرات محلية في مجالات محددة.

الذكاء الاصطناعي.

الأمن السيبراني.

مراكز البيانات.

الحوسبة السحابية.

التكنولوجيا المالية.

التكنولوجيا الطبية.

تحلية المياه.

الطاقة.

الخدمات اللوجستية.

الأقمار الصناعية.

والتقنيات المرتبطة بالصناعات النفطية والبتروكيماوية نفسها.

ليس المطلوب أن تصبح الكويت «وادي سيليكون» جديداً.

بل أن تختار المجالات التي تمتلك فيها ميزة حقيقية، ثم تبني حولها منظومة كاملة من الجامعات ورأس المال والشركات والحكومة.

وماذا عن اللغة العربية؟

هناك قضية أكثر عمقاً.

الذكاء الاصطناعي لا يقدم إجابات فقط.

إنه يتجه لأن يصبح إحدى أهم البوابات التي يحصل الإنسان من خلالها على المعرفة.

والطفل الذي كان يبحث في محرك البحث سيصبح أكثر اعتماداً على سؤال نموذج ذكاء اصطناعي مباشرة.

وهنا يظهر سؤال سيادي وثقافي:

من سيعلّم الذكاء الاصطناعي تاريخنا وثقافتنا ولهجتنا وقيم مجتمعنا؟

إذا استورد العالم العربي نماذج الذكاء الاصطناعي بالكامل من الخارج، فقد لا نكون نستورد برنامجاً فقط.

قد نستورد معه الطريقة التي ينظر بها ذلك البرنامج إلى العالم.

ولذلك فإن تطوير قدرات عربية حقيقية في الذكاء الاصطناعي ليس ترفاً تقنياً.

إنه مشروع اقتصادي وثقافي واستراتيجي.

والكويت تستطيع أن تكون جزءاً منه.

لكن هناك خطراً لا يجوز تجاهله

هنا يجب أن نختلف جزئياً مع الحماس الذي قد تثيره فكرة «الجمهورية التقنية».

فالدولة التي تستطيع تحليل كل شيء تستطيع أيضاً مراقبة كل شيء.

والذكاء الاصطناعي الذي يستطيع اكتشاف الاحتيال يستطيع، إذا أسيء استخدامه، بناء منظومات مراقبة شديدة القوة.

والنظام الذي يستطيع اتخاذ قرار بسرعة يستطيع أيضاً اتخاذ قرار خاطئ بسرعة.

لذلك فإن بناء الدولة التقنية يجب أن يصاحبه بناء دولة القانون الرقمية.

من يملك البيانات؟

من يستطيع الاطلاع عليها؟

كم تبقى محفوظة؟

هل يستطيع المواطن معرفة سبب القرار الآلي الذي اتُخذ بحقه؟

هل يستطيع الاعتراض عليه؟

من يراجع الخوارزميات؟

ومن يتحمل المسؤولية عندما يخطئ الذكاء الاصطناعي؟

هذه ليست تفاصيل قانونية ثانوية.

إنها الشرط الأساسي لكي تصبح التكنولوجيا قوة للدولة دون أن تتحول إلى قوة على المواطن.

المعادلة الصحيحة يجب أن تكون:

كلما أصبحت الدولة أقوى تكنولوجياً، يجب أن يصبح المواطن أقوى قانونياً.

الجامعة أيضاً يجب أن تتغير

إذا كنا نريد جمهورية تقنية، فلا يمكن أن تبقى الجامعة بعيدة عن احتياجات الدولة والاقتصاد.

لا يكفي أن يتخرج الطالب حاملاً شهادة في علوم الحاسوب.

يجب أن يدخل أثناء دراسته في مشروعات حقيقية.

طالب الهندسة يعمل على مشكلة في الكهرباء.

طالب علوم البيانات يحلل مشكلة مرورية.

طالب الطب يعمل مع مهندسين على نظام للتنبؤ بالضغط على المستشفيات.

طالب إدارة الأعمال يؤسس شركة حول تقنية خرجت من الجامعة.

وتتحول الجامعة من مكان يمنح الشهادات إلى مصنع للمعرفة والشركات والحلول.

نحتاج إلى مهندسين… ونحتاج أيضاً إلى دولة تؤمن بهم

إحدى أهم رسائل كتاب «الجمهورية التقنية» أن القضية ليست نقص التكنولوجيا.

العالم يمتلك بالفعل تكنولوجيا مذهلة.

المشكلة هي: إلى أين نوجهها؟

وهذه رسالة مهمة للكويت.

لدينا الشباب.

ولدينا رأس المال.

ولدينا مؤسسات الدولة.

ولدينا سوق صغير نسبياً يسمح بتجربة الحلول بسرعة.

ولدينا بنية تحتية حديثة.

ولدينا القدرة على اتخاذ قرارات استثمارية كبيرة.

أي أن الكويت قد تكون، من حيث الحجم والإمكانات، مختبراً مثالياً لبناء نموذج دولة عربية ذكية حقيقية.

لكن ذلك يحتاج إلى الانتقال من ثقافة:

«اشترِ أفضل نظام»

إلى ثقافة:

«ابنِ أفضل قدرة».

خطة الكويت للجمهورية التقنية

ولو أردنا تحويل أفكار الكتاب من مقال إلى مشروع دولة، فيمكن اختصار البداية في سبع خطوات:

أولاً، وضع استراتيجية وطنية للسيادة التكنولوجية تحدد التقنيات التي تعتبرها الكويت استراتيجية خلال العشرين عاماً المقبلة.

ثانياً، إنشاء بنية وطنية آمنة للبيانات والذكاء الاصطناعي تسمح للجهات الحكومية بالاستفادة من البيانات وفق ضوابط قانونية صارمة.

ثالثاً، إطلاق برنامج حكومي سنوي للمشكلات والتحديات، تتنافس الشركات الكويتية على حلها وتحصل الحلول الناجحة على عقود فعلية.

رابعاً، تخصيص رأس مال طويل الأجل لبناء شركات تكنولوجية كويتية قابلة للتوسع خارج الكويت، وليس فقط مشروعات صغيرة تعمل داخل السوق المحلي.

خامساً، ربط الجامعات مباشرة بالمشكلات الاقتصادية والحكومية والصناعية.

سادساً، بناء قدرات عربية في الذكاء الاصطناعي والبيانات والأمن السيبراني، بدلاً من الاكتفاء بشرائها من الخارج.

وسابعاً، وضع منظومة تشريعية قوية للخصوصية والبيانات والقرارات الخوارزمية قبل أن تصبح التكنولوجيا أسرع من القانون.

من الجمهورية النفطية إلى الجمهورية التقنية

على مدى عقود، كان النفط جزءاً أساسياً من تعريف قوة الكويت الاقتصادية.

لكن النفط الذي صنع دولة الرفاه يمكن أن يؤدي اليوم وظيفة تاريخية أخرى:

أن يمول بناء الدولة التي تستطيع العيش بعده.

وهنا ربما تكمن أهم قراءة خليجية لكتاب أليكس كارب.

المستقبل لن يكون للدول التي تمتلك أكبر عدد من التطبيقات.

ولا للدول التي تشتري أكبر عدد من أنظمة الذكاء الاصطناعي.

بل للدول التي تعرف ماذا تريد من التكنولوجيا، وتملك البشر والمؤسسات والجرأة السياسية لتحويلها إلى قوة وطنية.

السؤال إذن ليس:

هل ستدخل الكويت عصر الذكاء الاصطناعي؟

فهذا العصر دخل بالفعل، سواء أردنا أم لم نرد.

السؤال الحقيقي هو:

هل ستكون الكويت مستهلكاً لتكنولوجيا يصنعها الآخرون… أم شريكاً في صناعة التكنولوجيا التي ستحدد شكل العالم القادم؟

لدينا المال.

ولدينا المؤسسات.

ولدينا الشباب.

ولدينا الوقت.

لكن التكنولوجيا علمتنا درساً قاسياً:

من يتأخر عشر سنوات في بداية التحولات الكبرى، قد يحتاج ثلاثين عاماً للحاق بمن سبقه.

ولهذا فإن الانتقال من «الجمهورية النفطية» إلى «الجمهورية التقنية» لا ينبغي أن يبدأ عندما ينتهي النفط.

بل يجب أن يبدأ بينما لا يزال النفط قادراً على تمويله.

الاكثر قراءة

اشترك معنا

برعايـــة

حقوق النشر محفوظة لـ أخبار الكويت © 2025
تم تصميمه و تطويره بواسطة

www.enogeek.com