لم تعد معارك النفوذ بين الدول تحتاج إلى دبابة تعبر الحدود، أو جاسوس يحمل حقيبة سرية، أو محطة إذاعية تبث من وراء البحار. في عصر الهاتف الذكي، قد تكون الحدود مجرد خط غير مرئي يُرسم حول كنيسة، وقد تبدأ المعركة عندما يدخل هاتف أحد المصلين ذلك الخط.
ما كُشف في الولايات المتحدة خلال الأشهر الماضية يبدو للوهلة الأولى أقرب إلى سيناريو فيلم سياسي عن المستقبل، لكن وثائق منشورة في السجل الرسمي لوزارة العدل الأميركية تجعل القضية أكثر واقعية وإثارة للقلق.
فشركة أميركية تحمل اسم Show Faith by Works, LLC سجلت نفسها رسمياً بموجب قانون تسجيل الوكلاء الأجانب FARA، وأظهرت سجلات وزارة العدل أن الجهة الأجنبية التي تعمل لصالحها هي وزارة الخارجية الإسرائيلية.
والمثير ليس مجرد وجود حملة علاقات عامة إسرائيلية داخل الولايات المتحدة؛ فهذا أمر ليس جديداً في عالم السياسة. المثير هو الطريقة والجمهور المستهدف.
الوثيقة المقدمة إلى السلطات الأميركية حملت عنواناً يتعلق بحملة للتثقيف المسيحي والمعلومات الإسرائيلية، وتضمنت استراتيجية لاستهداف التجمعات المسيحية رقمياً.
سياج لا تراه العين
الخطة استخدمت مصطلحاً تقنياً أصبح مألوفاً في عالم الإعلانات: Geofencing – السياج الجغرافي الرقمي.
الفكرة بسيطة ومقلقة في الوقت ذاته.
بدلاً من إقامة سور حقيقي حول مكان ما، تُرسم حدود افتراضية حول موقع جغرافي. وعبر تقنيات الإعلان المرتبطة ببيانات الموقع، يمكن استهداف أجهزة دخلت إلى تلك المنطقة برسائل وإعلانات محددة، ثم إعادة استهداف ذلك الجمهور إعلانياً لاحقاً.
والوثائق المتعلقة بالحملة لم تكن غامضة في هذه النقطة، إذ تحدثت عن إقامة نطاقات جغرافية حول كنائس رئيسية في كاليفورنيا وأريزونا ونيفادا وكولورادو، وكذلك حول كليات مسيحية خلال أوقات العبادة، ثم استهداف الحضور بالإعلانات بعد ذلك. وأكدت محطة AZPM الأميركية أن الوثائق تضمنت هذه الاستراتيجية، وأن القائمة شملت 38 كنيسة في أريزونا وحدها.
وهنا تتحول القضية من مجرد حملة دعائية إلى سؤال أكبر:
ماذا يحدث عندما يصبح مكان العبادة نفسه نقطة دخول إلى عملية استهداف سياسي رقمية؟
الهدف أبعد من إعلان مؤيد لإسرائيل
الأكثر حساسية يوجد في الصفحات التي تشرح أهداف الحملة.
فبحسب الوثائق المنشورة، تضمنت الاستراتيجية هدفاً يتمثل في زيادة الارتباطات الإيجابية بإسرائيل، بالتوازي مع ربط السكان الفلسطينيين بالفصائل المتطرفة.
وهذه العبارة تحديداً تجعل القضية تتجاوز التسويق السياحي أو تحسين صورة دولة في الخارج.
نحن هنا أمام محاولة معلنة للتأثير في كيفية إدراك جمهور أميركي محدد للصراع الفلسطيني–الإسرائيلي.
المستهدف ليس الجمهور الأميركي كله بطريقة عشوائية، وإنما قطاع ذو وزن سياسي استثنائي: المسيحيون الأميركيون، وخصوصاً في البيئات التي يشكل فيها المحافظون والإنجيليون قوة انتخابية وسياسية كبيرة.
ومن هنا يصبح اختيار الكنيسة مفهوماً.
فالكنيسة في الولايات المتحدة ليست دائماً مكاناً للعبادة فحسب؛ ففي أجزاء واسعة من البلاد هي أيضاً مجتمع محلي وشبكة اجتماعية ومصدر للهوية والقيم، وفي حالات كثيرة مساحة تتقاطع فيها العقيدة مع المواقف السياسية.
ومن يستطيع التأثير في تصور هذا الجمهور للشرق الأوسط، يستطيع بصورة غير مباشرة التأثير في واحدة من أهم قواعد تشكيل السياسة الأميركية تجاه المنطقة.
الكنائس نفسها لم تكن تعرف
وهنا تأتي المفارقة الأكبر.
إحدى الكنائس التي ورد اسمها ضمن الحملة، Canyon View Vineyard Church في كولورادو، أصدرت بياناً رسمياً في ديسمبر 2025 قالت فيه إنها لم تكن تعرف أنها مدرجة ضمن الحملة، ولم توافق عليها ولم تشارك فيها.
وقالت الكنيسة إنها لم تتلق أي أموال أو تعويضات، وإن موقعها اختير من طرف ثالث كمنطقة للاستهداف الإعلاني من دون استشارتها.
وهذه نقطة شديدة الأهمية، لأنها تمنع الوقوع في استنتاج خاطئ بأن الكنائس المستهدفة كانت جزءاً من العملية.
في بعض الحالات على الأقل، الكنيسة لم تكن شريكاً؛ كانت هي نفسها الموقع المستهدف.
أكثر من مجرد خطة على الورق
وقد يقول قائل إن كل ما سبق مجرد عرض تسويقي لم ينفذ.
لكن سجل FARA لا يتوقف عند وثيقة سبتمبر 2025.
فالسجل الرسمي لوزارة العدل يُظهر استمرار تقديم Show Faith by Works وثائق ومواد لاحقة خلال 2026، بما فيها بيان تكميلي في مايو ومواد إعلامية في يونيو.
والأهم أن إحدى المواد المقدمة في يونيو 2026 تحمل إفصاحاً واضحاً بأنها موزعة بواسطة Show Faith by Works نيابة عن وزارة الخارجية الإسرائيلية.
أي أننا أمام نشاط مسجل ومستمر، وليس مجرد منشور مجهول المصدر على وسائل التواصل الاجتماعي.
من الدعاية التقليدية إلى «هندسة الإدراك»
مع ذلك، فإن القضية تطرح سؤالاً أخطر بكثير من قصة إسرائيل والكنائس الأميركية وحدها.
نحن ندخل عصراً تستطيع فيه الحكومات والشركات والجماعات السياسية أن تعرف أين يوجد جمهور معين، وماذا يشاهد، وما الرسالة الأكثر قدرة على التأثير فيه، ثم تلاحقه رقمياً بالمحتوى.
لم تعد الدعاية تقول:
«هذا ما نريدك أن تصدقه».
بل أصبحت تسأل أولاً:
من أنت؟
أين تذهب؟
ما الذي تؤمن به؟
ما الذي تخاف منه؟
ثم تصمم الرسالة التي تناسبك.
هذه ليست مجرد دعاية.
إنها بداية ما يمكن تسميته هندسة الإدراك السياسي.
القانون الأميركي كشف ما كان يمكن أن يبقى خفياً
وللمفارقة، لولا قانون Foreign Agents Registration Act ربما لم يعرف الجمهور كثيراً من هذه التفاصيل.
فالقانون الأميركي لا يحظر بالضرورة قيام جهات تعمل لمصلحة حكومات أجنبية بأنشطة سياسية أو إعلامية، لكنه يفرض عليها في ظروف معينة الإفصاح عن علاقتها بالجهة الأجنبية وأنشطتها وتمويلها.
ولهذا توجد اليوم وثائق Show Faith by Works في قاعدة بيانات وزارة العدل، يستطيع أي مواطن الاطلاع عليها. والسجل الرسمي يحدد الشركة والجهة الأجنبية والوثائق المقدمة والتواريخ المرتبطة بها.
وهنا تظهر مفارقة تستحق أن تتوقف أمامها الدول العربية أيضاً:
القصة لم تُكشف لأن التكنولوجيا منعت عملية التأثير، بل لأن القانون فرض قدراً من الشفافية حول من يقف وراءها.
والسؤال لنا في العالم العربي
إذا كان من الممكن رسم سياج رقمي حول كنيسة أميركية واستهداف جمهورها برسالة سياسية، فما الذي يمنع تطبيق الأسلوب نفسه حول جامعة عربية؟ أو مسجد؟ أو مؤتمر؟ أو منطقة انتخابية؟ أو تجمع شبابي؟
وإذا كانت دولة أجنبية تستطيع استخدام أدوات الإعلان التجاري لتشكيل الانطباعات السياسية، فأين ينتهي «الإعلان» وأين يبدأ «النفوذ الأجنبي»؟
هذه أسئلة لم تعد نظرية.
فالمعركة على الرأي العام انتقلت من شاشات التلفزيون إلى جيوب الناس.
والهاتف الذي نحمله معنا يعرف عن تحركاتنا واهتماماتنا أكثر مما عرفته أجهزة الدعاية التقليدية عن جماهيرها طوال القرن العشرين.
قد لا يكون السياج الجديد مصنوعاً من الحديد، وقد لا يراه أحد عندما يعبره، لكنه يعرف أن الهاتف دخل إليه.
وهذه ربما هي القصة الأهم خلف وثائق الكنائس الأميركية:
في حروب النفوذ الجديدة، لم تعد الدول تحتاج دائماً إلى إقناع شعب بأكمله؛ يكفي أن تعرف أين يوجد الجمهور الذي تريد التأثير فيه، ثم تصل إلى شاشته في اللحظة المناسبة.
وهنا يصبح السؤال الذي يجب أن يشغل الحكومات والمجتمعات، من واشنطن إلى العواصم العربية، ليس فقط: من يراقب حدود دولنا؟
بل أيضاً:
من يرسم الحدود غير المرئية حول هواتفنا… ومن يقرر الرسالة التي ستظهر لنا عندما نعبرها؟

