الجمعة - 2026/09/18 10:24:43 مساءً

NE

News Elementor

هذا الموقع بــرعاية

من طهران إلى بكين وموسكو: هل تعيد واشنطن رسم العالم عبر خريطة الطاقة؟

لم تعد الحرب على إيران قابلة للقراءة باعتبارها مواجهة منفصلة تتعلق بالبرنامج النووي أو أمن الكيان المحتل وحدهما. فكلما اتسعت دائرة العمليات وازدادت الضغوط على صادرات النفط والممرات البحرية، ظهرت خلف المشهد معركة أكبر تمتد من طهران إلى بكين وموسكو وكاراكاس، وتدور حول الطاقة والتجارة والدولار وتوازن القوة في النظام الدولي.

لا يعني ذلك أن كل ما يحدث خُطط له مسبقًا ضمن مؤامرة واحدة، أو أن البرنامج النووي الإيراني مجرد ذريعة لا وجود لها. لكنه يعني أن نتائج الحرب، بصرف النظر عن دوافعها المعلنة، تخدم مجموعة من الأهداف الأميركية المتداخلة: تجفيف موارد إيران، رفع كلفة الطاقة على الصين، تضييق هامش الحركة أمام روسيا، حماية مكانة الدولار، وإعادة تثبيت النفوذ الأميركي في المنطقة.

إنها مواجهة تستخدم الصاروخ والعقوبات والأسطول والعملة في وقت واحد.

المرحلة الأولى: الضغط على فنزويلا وقطع أحد شرايين الصين

تمثل فنزويلا مخزونًا نفطيًا هائلًا، لكنها تحولت خلال سنوات العقوبات والأزمة الاقتصادية إلى ساحة تنافس بين الولايات المتحدة من جهة، والصين وروسيا من جهة أخرى. وحين تتحرك واشنطن لاستعادة نفوذها داخل قطاع الطاقة الفنزويلي، فإنها لا تبحث فقط عن مزيد من النفط، بل تسعى أيضًا إلى الحد من حضور بكين وموسكو في الفناء الجنوبي للقارة الأميركية.

لكن تصوير فنزويلا باعتبارها أكبر مصدر للنفط إلى الصين ليس دقيقًا؛ فروسيا ودول الخليج تشكل مصادر أكبر بكثير للواردات الصينية. أهمية فنزويلا تكمن في شيء آخر: احتياطياتها الضخمة، وموقعها الجغرافي، وعلاقاتها الطويلة مع بكين وموسكو، وقدرتها المحتملة على التحول إلى مورد استراتيجي بعيد عن الممرات البحرية الآسيوية المضطربة.

ومن هنا يمكن فهم التحرك الأميركي لتشجيع الاستثمارات الغربية في قطاع الطاقة الفنزويلي والتحذير من شرعية بعض الصفقات الصينية، باعتباره محاولة لإعادة توجيه ثروة البلاد النفطية وربطها مجددًا بالاقتصاد الأميركي.

إلا أن القول إن «فنزويلا سقطت» أو قُطعت بالكامل عن الصين يبقى مبالغة. الأدق أنها تحولت إلى ساحة صراع اقتصادي على العقود والديون والنفط والنفوذ، وليس إلى جبهة حُسمت نهائيًا.

المرحلة الثانية: خنق النفط الإيراني المتجه إلى الصين

إيران أكثر أهمية من فنزويلا في الحسابات الصينية الراهنة. فهي منتج كبير للطاقة، وتوفر النفط بأسعار مخفضة، كما تمثل عقدة جغرافية بين الخليج وآسيا الوسطى والمحيط الهندي. ومع تشديد العقوبات الغربية، أصبحت المصافي الصينية الوجهة الرئيسية للنفط الإيراني.

لهذا فإن ضرب قدرة إيران على الإنتاج أو التصدير، أو فرض رقابة بحرية على السفن المتجهة من موانئها، لا يحرم طهران من الإيرادات فقط؛ بل يحرم الصين من أحد أهم مصادر النفط المخفض السعر.

وهنا تتحول الحرب من مواجهة مع إيران إلى أداة ضغط غير مباشر على بكين. فالصين تعتمد على الاستيراد لتغطية معظم احتياجاتها النفطية، وأي ارتفاع في الأسعار يرفع كلفة الصناعة والنقل والكهرباء والشحن، ويضعف تنافسية صادراتها.

وقد ظهرت هذه الآثار بالفعل في اضطراب سوق الطاقة وارتفاع تكاليف الشحن. كما كانت بكين قد شددت القيود على صادرات الوقود في بداية الحرب لحماية إمداداتها الداخلية، قبل أن تعود صادرات المنتجات النفطية الصينية إلى الارتفاع خلال أغسطس.

غير أن إيران ليست مجرد محطة نفطية يمكن فصلها بسهولة عن الصين. فقد دفعت العقوبات طهران إلى ابتكار شبكات شحن وتسويات مالية ووسطاء يصعب تفكيكهم بالكامل. كما أن الضغط المفرط قد يقرب إيران أكثر من بكين، بدل أن ينتزعها من دائرتها.

وهذه إحدى مفارقات الحصار: قد يضعف الدولة اقتصاديًا، لكنه قد يدفعها سياسيًا إلى الارتماء الكامل في معسكر الخصم.

المرحلة الثالثة: من إضعاف الدولة إلى محاولة تغيير النظام

تشير الصور إلى أن الضربات الجوية وحدها قد لا تكون كافية، وأن المرحلة التالية ربما تستهدف تغيير النظام الإيراني من الداخل، عبر الحصار الاقتصادي والاضطرابات الشعبية ودعم قوى معارضة، من دون تكرار غزو بري واسع على نمط العراق.

هذا السيناريو منطقي من الناحية العسكرية؛ فالولايات المتحدة تدرك أن احتلال دولة بحجم إيران وتضاريسها وعدد سكانها وقوتها العسكرية سيكون أكثر تعقيدًا وكلفة من غزو العراق. لذلك قد تفضل واشنطن استنزاف النظام، وتدمير قدراته العسكرية، وحرمانه من العائدات، مع الرهان على أن تتولى الضغوط الداخلية بقية المهمة.

لكن الرهان على الانهيار الداخلي ليس مضمونًا. فالعقوبات قد تضعف الاقتصاد وتزيد الاستياء الشعبي، لكنها قد تسمح أيضًا للسلطة بتعبئة الشارع تحت عنوان الدفاع عن البلاد. كما أن إسقاط النظام لا يضمن قيام نظام مستقر أو موالٍ للغرب؛ فقد يؤدي إلى فوضى داخلية، أو تفكك مؤسسات الدولة، أو صراع بين قوى مسلحة، أو ظهور قيادة أكثر تشددًا.

وقد أظهرت تجربة العراق أن هدم النظام أسهل من بناء الدولة. وإذا كان الغزو البري مستبعدًا، فإن محاولة إنتاج «عراق ثانٍ» عبر الضربات والحصار والانتفاضة الداخلية ليست خالية من المخاطر ذاتها، حتى وإن اختلفت الأدوات.

إذا جُمعت خيوط الطاقة والتجارة والعقوبات، تظهر الصين بوصفها الطرف الذي يتلقى جانبًا كبيرًا من الأضرار غير المباشرة:

خسارة النفط الإيراني المخفض أو ارتفاع مخاطر نقله.
زيادة أسعار الطاقة التي تعتمد عليها المصانع الصينية.
اضطراب مضيق هرمز والبحر الأحمر وخطوط الشحن.
تضييق وصول بكين إلى نفط فنزويلا ومناطق نفوذ أخرى.
الضغط على الشركات الغربية لنقل بعض استثماراتها وسلاسل توريدها خارج الصين.
إعادة تثبيت الوجود العسكري الأميركي حول أهم طرق التجارة الصينية.
تعزيز ارتباط دول الخليج أمنيًا وعسكريًا بواشنطن.
إبطاء المساعي الرامية إلى تقليل الاعتماد على الدولار.

بهذا المعنى، لا تحتاج الولايات المتحدة إلى إطلاق رصاصة واحدة على الأراضي الصينية كي ترفع كلفة صعود بكين. يكفي أن تتحكم في البيئة التي يصل منها النفط، وتعبر عبرها التجارة، وتُسوّى داخلها المدفوعات الدولية.

لكن واشنطن لا تملك سيطرة مطلقة على النتائج. فارتفاع النفط يضر أيضًا بالمستهلك الأميركي، واضطراب الشحن يرفع التضخم عالميًا، واستمرار الحرب يدفع الصين إلى بناء مخزونات أكبر وتسريع الاستثمار في الطاقة المتجددة والنووية، وتنويع طرق الإمداد وتوسيع التسويات باليوان.

إن خنق الصين بالطاقة قد يدفعها، على المدى الطويل، إلى تقليل نقطة ضعفها بدل الاستسلام لها.

روسيا: الحلقة التي لا يمكن فصلها عن الصين

تقدم الصور الصين باعتبارها شريان الحياة الاقتصادي لروسيا في مواجهة العقوبات الغربية. وفي هذا الطرح قدر كبير من الصحة: فبعد تراجع الأسواق الأوروبية أمام الطاقة الروسية، توسعت التجارة مع الصين، وأصبحت بكين مشتريًا رئيسيًا للنفط والغاز الروسيين، ومصدرًا مهمًا للسلع والآلات والمكونات.

لكن القول إن روسيا ستنهار فور انشغال الصين أو ابتعادها مبالغة. فروسيا دولة كبيرة منتجة للطاقة والغذاء والمعادن وتمتلك قاعدة صناعية وعسكرية وقدرة على تحمل العزلة بدرجة لا تتوافر لمعظم الدول. ومع ذلك، لا شك أن فقدان السوق الصينية أو تراجع الدعم التجاري والمالي سيضاعف الضغوط عليها، ويضعف قدرتها على مواصلة حرب طويلة، وقد يجبرها على تقديم تنازلات أكبر على طاولة التفاوض.

من هنا يمكن قراءة الضغط على إيران وفنزويلا باعتباره جزءًا من محاولة أوسع لتفكيك شبكة الترابط بين خصوم واشنطن: روسيا توفر الطاقة والخبرة العسكرية، إيران توفر الموقع والنفوذ الإقليمي، فنزويلا توفر الاحتياطيات النفطية، والصين توفر السوق والتمويل والتكنولوجيا.

ليست هذه الدول حلفًا متماسكًا يشبه حلف شمال الأطلسي، لكنها تتعاون لأنها تواجه خصمًا مشتركًا. وكلما شددت واشنطن الضغط عليها مجتمعة، ازدادت حاجتها بعضها إلى بعض.

وقد ظهر هذا التقارب سياسيًا عندما استخدمت الصين وروسيا حق النقض ضد مشروع تمديد عمل فريق الخبراء الأممي المكلف بمراقبة العقوبات على إيران. القرار أنهى آلية مستقلة للرقابة، وكشف أن بكين وموسكو تعتبران الملف الإيراني جزءًا من مواجهتهما الأوسع مع النظام الذي تقوده واشنطن.

الطاقة ليست منفصلة عن العملة. فجزء من قوة الولايات المتحدة جاء تاريخيًا من تسعير النفط بالدولار واحتفاظ البنوك المركزية باحتياطيات كبيرة منه. وهذا يمنح واشنطن قدرة استثنائية على الاقتراض، وفرض العقوبات، ومراقبة المعاملات، وعزل الخصوم عن النظام المالي.

تحاول الصين وروسيا وإيران ودول أخرى توسيع التجارة بالعملات المحلية، وزيادة حيازة الذهب، وبناء قنوات دفع بعيدة عن الرقابة الأميركية. لكن الدولار لا يزال العملة المهيمنة في الاحتياطيات والأسواق والتمويل والتجارة الدولية. ولم ينجح اليوان حتى الآن في بناء بديل متكامل بسبب القيود على حركة رأس المال، وضعف قابلية التحويل مقارنة بالدولار، وعمق الأسواق الأميركية.

ومع ذلك، فإن الإفراط في استخدام العقوبات قد يسرّع العملية التي تحاول واشنطن منعها. فحين تدرك الدول أن أصولها واحتياطياتها قد تصبح أدوات ضغط سياسية، تبدأ البحث عن بدائل، حتى لو كانت هذه البدائل أقل كفاءة.

لذلك تخوض الولايات المتحدة سباقًا دقيقًا: تريد استخدام قوة الدولار لإضعاف خصومها من دون أن تدفع بقية العالم إلى الهروب منه.

بين البرنامج النووي وحرب النظام الدولي

يجب ألا يقود التحليل الاقتصادي إلى إنكار واقع البرنامج النووي الإيراني أو المخاوف الأمنية الإقليمية. فإيران تمتلك برنامج تخصيب متقدمًا، ولديها قدرات صاروخية وشبكة نفوذ مسلح في المنطقة. لكن عبارة «على بعد أسابيع من القنبلة» تحتاج دائمًا إلى تفسير؛ فإنتاج كمية من المواد الانشطارية ليس مساويًا لتصنيع رأس نووي قابل للاستخدام وتركيبه على صاروخ.

والتجربة العراقية تفرض الحذر من تحويل التقديرات الاستخباراتية إلى يقين سياسي، أو استخدام أسوأ الاحتمالات ذريعة لحرب مفتوحة. وفي المقابل، لا يجوز مساواة الحالتين بالكامل، لأن البرنامج الإيراني قائم وموثق، بينما تمحورت أزمة العراق حول مخزونات من أسلحة الدمار الشامل لم يُعثر عليها بعد الغزو.

الأسئلة الحقيقية هي: هل كان يمكن احتواء البرنامج الإيراني باتفاق ورقابة دولية أكثر صرامة؟ وهل ستقضي الحرب على المعرفة النووية، أم ستدفع طهران أو أي قيادة لاحقة إلى اعتبار القنبلة الضمان الوحيد ضد الهجوم الخارجي؟

قد تدمر الضربات المنشآت، لكنها لا تستطيع قصف المعرفة الموجودة في عقول العلماء والمهندسين.

الخلاصة: القصّة ليست خيطًا واحدًا

من المغري رسم خط واحد يبدأ من كاراكاس، ويمر بطهران وموسكو، وينتهي في بكين. لكن السياسة الدولية أكثر تعقيدًا من ذلك. فلا توجد أدلة كافية تسمح بالجزم بأن الولايات المتحدة أطلقت الحرب وفق خطة سرية متكاملة هدفها النهائي الصين وحدها.

ومع ذلك، فإن النتائج الاستراتيجية تصب بوضوح في قلب المنافسة الأميركية–الصينية. فإضعاف إيران يهدد مصدرًا مهمًا للنفط الصيني، والتضييق على فنزويلا يقلص خيارات بكين المستقبلية، وارتفاع كلفة الطاقة والشحن يضغط على مصانعها، بينما يؤدي تراجع الصين إلى إضعاف روسيا اقتصاديًا وسياسيًا.

لكن الخطة، إن كانت موجودة بهذا الاتساع، تحمل تناقضها داخلها. فكل ضربة أميركية تدفع الخصوم إلى مزيد من التنسيق، وكل عقوبة تخلق حافزًا لبناء قناة بديلة، وكل اضطراب في الخليج يذكّر الصين بأنها لا تستطيع ترك أمن طاقتها في يد قوة منافسة.

الحرب المعلنة تدور في إيران، لكن الحرب الأعمق تدور حول من يكتب قواعد النظام العالمي المقبل: الولايات المتحدة التي تريد الحفاظ على شبكة النفوذ والدولار والممرات البحرية، أم الصين التي تحاول بناء شبكة تجارية ومالية لا تستطيع واشنطن إغلاقها؟

لهذا قد يكون النفط هو السلاح، وإيران هي الساحة، وروسيا هي الحليف المستهدف بالعزل؛ لكن الصين تظل المنافس الذي تُحسب على أساسه النتائج الكبرى. وفي هذه الحرب لا يكون الانتصار بعدد المنشآت المدمرة، بل بقدرة كل طرف على حماية اقتصاده وتحالفاته وطرق طاقته، وإقناع العالم بأن نظامه أكثر استقرارًا من نظام خصمه.

الاكثر قراءة

اشترك معنا

برعايـــة

حقوق النشر محفوظة لـ أخبار الكويت © 2025
تم تصميمه و تطويره بواسطة

www.enogeek.com