حتى لا ننسى: من رفح 2003 إلى غزة اليوم.. من يحمي الحقيقة عندما يصبح الشاهد هدفاً؟
في السادس عشر من مارس عام 2003، لم تكن راشيل كوري تحمل بندقية، ولم تكن ترتدي زياً عسكرياً، ولم تكن طرفاً في معركة. كانت شابة أميركية في الثالثة والعشرين من عمرها، جاءت إلى رفح ضمن حركة التضامن الدولية، ووقفت أمام جرافة عسكرية في محاولة لمنع هدم منزل فلسطيني.
كانت ترتدي سترة برتقالية واضحة.
ثم تقدمت الجرافة.
وماتت راشيل كوري تحتها.
هذه ليست رواية ولدت في زمن شبكات التواصل الاجتماعي، ولا حادثة غامضة لا نعرف عنها إلا القليل. وفاة كوري في رفح في 16 مارس 2003 موثقة منذ وقوعها، فيما قال الجيش الإسرائيلي إن سائق الجرافة لم يرها وإن الحادث كان غير متعمد. وبعد سنوات، رفضت محكمة حيفا دعوى مدنية أقامتها أسرتها، وخلصت إلى عدم وجود أساس للقول إن السائق تعمد دهسها، واعتبرت الوفاة حادثاً وقع في إطار «عملية حربية». وفي المقابل، انتقدت منظمة العفو الدولية التحقيق بشدة، معتبرة أنه لم يكن بالمستوى المطلوب من الاستقلال والشفافية، كما قالت هيومن رايتس ووتش إن التحقيقات في مقتلها لم تستوف معايير الشفافية والحياد والشمول.
وهنا تحديداً تبدأ أهمية قصة راشيل كوري، لا باعتبارها مجرد مأساة إنسانية مضى عليها أكثر من عقدين، وإنما باعتبارها مرآة لسؤال أكبر لا يزال قائماً حتى اليوم:
هل قيمة الضحية واحدة في الخطاب الإعلامي والسياسي الغربي، أم أنها تتغير وفق هوية القاتل والضحية وموقعهما من الخريطة السياسية؟
راشيل لم تكن فلسطينية.. ومع ذلك لم تكن قصتها كافية
كانت راشيل أميركية.
وهذه الحقيقة تجعل قصتها أكثر إحراجاً للمنظومة السياسية والإعلامية التي اعتادت النظر إلى الصراع الفلسطيني من مسافة آمنة. فإذا كان من السهل أحياناً اختزال الضحية الفلسطينية في رقم داخل نشرة إخبارية، فإن راشيل جاءت من داخل المجتمع الأميركي نفسه، وحملت اسماً وصورة وأسرة ورسائل وحياة كان يمكن للجمهور الغربي أن يتماهى معها.
ومع ذلك، مرت السنوات، وبقي السؤال حول المساءلة قائماً.
بل إن منظمة العفو الدولية قالت بعد الحكم الصادر عام 2012 إن السلطات لم تفِ بوعد إجراء تحقيق «شامل وموثوق وشفاف»، بينما أشارت إلى أن مسؤولين أميركيين أنفسهم لم يعتبروا التحقيق العسكري مستوفياً لهذه المعايير.
المشكلة هنا لا تكمن فقط في كيفية تغطية خبر وفاة راشيل في ذلك اليوم، بل في ما يحدث للخبر بعد ذلك.
فالازدواجية الإعلامية لا تعني دائماً إخفاء الواقعة بالكامل. أحياناً تُنشر الواقعة، وتظهر الصور، وتكتب الصحف عنها، ثم تُدفع تدريجياً إلى هامش الذاكرة العامة، بينما تستمر الظروف التي أنتجتها من دون مساءلة تتناسب مع جسامة الحدث.
ولهذا فإن النقد الأكثر دقة للإعلام الغربي ليس الادعاء بأنه «تجاهل راشيل كلياً»؛ فهذا غير صحيح، فقد حظيت قضيتها بتغطية واسعة في فترات مختلفة. النقد الأهم هو السؤال عن استمرارية الاهتمام، وعن اللغة المستخدمة، وعن مقدار الضغط من أجل المساءلة، وعن الفارق بين التعامل مع ضحايا صراعات مختلفة.
من راشيل كوري إلى شيرين أبو عاقلة
بعد تسعة عشر عاماً تقريباً، قُتلت الصحفية الفلسطينية الأميركية شيرين أبو عاقلة أثناء تغطيتها في جنين.
مرة أخرى كان هناك اسم معروف، وصحفية تحمل الجنسية الأميركية، وسترة صحافة، وكاميرات وشهود وتحقيقات دولية.
وقبل اندلاع حرب غزة الأخيرة، كانت لجنة حماية الصحفيين قد وثقت بالفعل مقتل 20 صحفياً بنيران الجيش الإسرائيلي خلال 22 عاماً، وقالت في تقرير نشرته عام 2023 إنه لم تتم محاسبة أي شخص جنائياً عن تلك الحالات التي وثقتها.
هذه ليست ملاحظة سياسية عابرة.
إنها مشكلة تتعلق بفكرة الإفلات من العقاب.
فحين يعرف حامل الكاميرا أن كلمة PRESS قد لا تحميه، ويعرف الناشط أن جنسيته الغربية قد لا تضمن تحقيقاً مستقلاً، ويعرف المدني أن صورته ربما تصبح خبراً ليوم واحد ثم تختفي، فإن القضية تتجاوز حادثة منفردة إلى سؤال يتعلق بمنظومة كاملة من المساءلة.
ثم جاءت غزة.. وأصبح الرقم مرعباً
ما حدث للصحافة منذ أكتوبر 2023 يجعل استعادة قصة راشيل كوري اليوم أكثر أهمية، لا أقل.
بحسب لجنة حماية الصحفيين، فإن الحرب أصبحت الفترة الأكثر دموية للصحفيين التي سجلتها المنظمة منذ بدء توثيقها عام 1992. وحتى تحديثها في يونيو 2026، كانت اللجنة توثق 209 صحفيين وعاملين في الإعلام قُتلوا على يد إسرائيل في غزة ومراكز الاحتجاز الإسرائيلية منذ 7 أكتوبر 2023، بعد أن أجرت مراجعات لبياناتها واستبعدت أسماء ثبت لديها أنها لا تستوفي معايير إدراج الصحفيين.
وفي تقريرها عن عام 2025 وحده، قالت اللجنة إن 129 صحفياً وعاملاً إعلامياً قتلوا حول العالم، وهو أعلى رقم سنوي في تاريخ توثيقها، وإن إسرائيل كانت مسؤولة عن نحو ثلثي هذه الوفيات.
وهنا تصبح المسألة أكبر من راشيل.
راشيل كانت شاهدة تحمل جسدها أمام جرافة.
شيرين حملت ميكروفوناً.
وآخرون حملوا كاميرات وهواتف ودفاتر صحفية.
والسؤال واحد:
ماذا يحدث عندما يصبح توثيق الحقيقة نفسه عملاً محفوفاً بالموت؟
ازدواجية المعايير لا تحتاج إلى نظرية مؤامرة
ليس ضرورياً القول إن كل مؤسسة إعلامية غربية تتعمد إخفاء الحقيقة، فهذا تعميم يضعف القضية بدلاً من أن يقويها. داخل الإعلام الغربي نفسه صحفيون ومؤسسات قدموا تحقيقات مهمة وكشفوا وقائع وانتهاكات وواجهوا ضغوطاً كبيرة.
لكن هذا لا يلغي وجود مشكلة أعمق في المعايير المستخدمة في توصيف الأحداث.
في بعض الحروب نسمع سريعاً مفردات واضحة: احتلال، جريمة حرب، استهداف المدنيين، محاسبة، عقوبات.
وفي الحالة الفلسطينية كثيراً ما يتحول الوضوح إلى لغة شديدة الحذر: «قُتل»، «لقي مصرعه»، «حادث»، «ظروف غير واضحة»، حتى عندما تكون هناك أدلة وشهادات تستحق تحقيقاً مستقلاً.
وهنا تكمن خطورة اللغة.
فاللغة ليست مجرد وسيلة لنقل الحرب؛ إنها جزء من الطريقة التي يفهم بها العالم الحرب.
وحين يُذكر اسم الضحية ولا يُذكر السياق، أو تُعرض النتيجة ولا يُسأل عن المسؤولية، يتحول الصحفي ـ ولو من دون قصد ـ من ناقل للحقيقة إلى مساهم في تجريدها من معناها.
راشيل كوري لم تستطع إنقاذ المنزل.. لكنها أنقذت شيئاً من الذاكرة
ربما كان المشهد الذي بقي منها أقوى من آلاف البيانات السياسية: فتاة نحيلة تقف أمام آلة عسكرية هائلة.
كانت تعرف أنها لا تستطيع إيقاف الصراع.
لكنها كانت تؤمن، على ما يبدو من نشاطها ورسائلها، بأن وجود شاهد أجنبي قد يمنح المدنيين الفلسطينيين قدراً من الحماية.
وكان ذلك أحد أكثر جوانب قصتها مأساوية.
فالشاهدة نفسها أصبحت ضحية.
لقد حاولت أن تقول للعالم: أنا هنا، أرى ما يحدث.
وبعد أكثر من عشرين عاماً، تبدو رسالتها وكأنها عادت من جديد، لكن هذه المرة يحملها مئات الصحفيين الفلسطينيين الذين قرروا البقاء أمام الكاميرا بينما كانت مدنهم ومخيماتهم وعائلاتهم تعيش الحرب.
حتى لا ننسى
لهذا ينبغي ألا تتحول ذكرى راشيل كوري إلى مجرد صورة قديمة تظهر كل عام ثم تختفي.
ولا شيرين أبو عاقلة.
ولا الصحفيون الذين قتلوا وهم يوثقون ما يجري.
ولا المدنيون الفلسطينيون الذين لم تكن لديهم جنسية أميركية ولا مؤسسة إعلامية دولية تضع أسماءهم في العناوين.
«حتى لا ننسى» ليست عبارة عاطفية.
إنها موقف صحفي.
تعني ألا نسمح للزمن بتحويل الوقائع إلى أرقام، ولا للسياسة بأن تحدد أي دم يستحق الصفحة الأولى وأي دم يختفي في الهامش.
وتعني أيضاً أن نرفض ازدواجية المعايير أينما وقعت: فقتل المدني يجب أن يكون مرفوضاً أياً كان مرتكبه، واستهداف الصحفي يجب أن يخضع للتحقيق أياً كانت جنسية الصحفي، والقانون الدولي يجب ألا يتغير بتغير الحليف والخصم.
قصة راشيل كوري لم تبدأ في 2023.
لقد سبقت الحرب الحالية بعشرين عاماً.
وهذا بالضبط ما يجعلها مؤلمة.
لأن الصورة القديمة تخبرنا بأن كثيراً من الأسئلة التي كان يفترض أن يجيب عنها العالم منذ ذلك الوقت لا تزال مطروحة اليوم.
من يحمي المدني؟
من يحمي الصحفي؟
من يحاسب القوة حين تتجاوز القانون؟
ومن يحفظ الحقيقة عندما يموت الذين يحملونها؟
قد تستطيع الجرافة أن تهدم منزلاً.
وقد تستطيع الرصاصة أن تسكت صحفياً.
وقد تستطيع الحرب أن تقتل شاهداً.
لكن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن ينجح النسيان في قتل القصة نفسها.
ولهذا، بعد أكثر من عقدين على رحيل راشيل كوري، تبقى الرسالة التي ينبغي أن تحفظها الصحافة:
لا تقتلوا الشاهد مرتين؛ مرة حين يفقد حياته، ومرة حين نصمت عن قصته.
حتى لا ننسى راشيل كوري… وحتى لا ننسى كل من دفع حياته ثمناً لمحاولة إيصال ما رآه إلى العالم.

