الخميس - 2026/09/17 1:04:59 صباحًا

NE

News Elementor

هذا الموقع بــرعاية

تقرير «Epic Fury».. عندما كشفت حدود القوة العسكرية الأميركية

ليست أهمية تقرير المفتش العام الأميركي حول عملية «Epic Fury» في عدد الطائرات التي دُمرت، ولا في مليارات الدولارات التي أنفقت، ولا حتى في حجم الذخائر التي استهلكتها الولايات المتحدة خلال الحرب.

الأهمية الحقيقية أعمق: تقرير رسمي قُدم إلى الكونغرس يرسم بالأرقام صورة مختلفة للحروب الحديثة، حيث لم يعد امتلاك أقوى جيش في العالم يعني امتلاك قدرة غير محدودة على خوض حرب استنزاف طويلة.

التقرير الصادر في 14 سبتمبر 2026 هو الأول بشأن «Epic Fury»، وأُعد ضمن منظومة رقابية مشتركة تشمل المفتش العام لوزارة الدفاع ووزارة الخارجية ووكالات أميركية أخرى. وهو يغطي العمليات حتى 30 يونيو 2026، وبالتالي فإن أرقامه لا تمثل بالضرورة الحساب النهائي للحرب.

الأرقام المالية ضخمة، لكن الرقم الأكثر أهمية ليس إجمالي الإنفاق، وإنما حجم الذخائر التي احتاجتها العمليات.

فحين تصل قيمة الذخائر المستخدمة خلال فترة محدودة من الحرب إلى عشرات المليارات من الدولارات، فإن المسألة تتحول من مجرد «تكلفة حرب» إلى اختبار لقدرة الصناعة العسكرية الأميركية على تعويض ما يُستهلك.

وهنا يبرز السؤال الذي يفرضه التقرير:

كم صاروخاً تستطيع الدولة إنتاجه مقابل كل صاروخ تطلقه؟

قد تمتلك دولة أحدث منظومات الدفاع الجوي، لكن إذا كانت الحرب تستهلك صواريخها الاعتراضية أسرع مما تستطيع مصانعها إنتاجها، فإن الزمن نفسه يتحول إلى عنصر في معادلة الاستنزاف.

المصنع أصبح جزءاً من ميدان المعركة

الحرب الحديثة تكشف مفارقة أساسية: إطلاق الصاروخ يستغرق ثواني، واستهلاك المئات قد يحدث خلال أيام، بينما تصنيع البدائل قد يحتاج شهوراً أو سنوات.

لذلك لم تعد القوة العسكرية تقاس فقط بما هو موجود في المستودعات عند بداية الحرب، وإنما بما تستطيع الدولة إنتاجه أثناء الحرب.

محركات الصواريخ والوقود الصلب والمتفجرات والإلكترونيات والرقائق والعمالة المتخصصة وسلاسل التوريد أصبحت جميعها عناصر من القوة العسكرية.

واللافت أن المفتش العام الأميركي أجرى بصورة منفصلة مراجعات لقدرات الإنتاج العسكري، ومنها تقييم رسمي لقدرة وزارة الدفاع على زيادة إنتاج ذخائر المدفعية عيار 155 ملم مع المحافظة على الجاهزية وتلبية الاحتياجات المستقبلية.

في حرب الاستنزاف لا يحتاج الطرف الأضعف إلى تدمير القوة العسكرية للطرف الأقوى بالكامل؛ يكفي أن يجبره على استهلاك موارده بوتيرة مرتفعة.

إذا أطلق الخصم تهديداً منخفض التكلفة نسبياً واضطر الطرف الآخر إلى استخدام صاروخ اعتراضي بالغ الكلفة لمواجهته، فقد يكون الدفاع ناجحاً عسكرياً، بينما تصبح المعادلة اقتصادياً وصناعياً أكثر تعقيداً.

وهذه إحدى مفارقات الحروب الصاروخية الحديثة: يمكن لمنظومة الدفاع أن تنجح في اعتراض التهديدات، بينما تتعرض مخزوناتها للاستنزاف في الوقت نفسه.

القواعد العسكرية.. من مصدر قوة إلى عبء دفاعي

الانتشار العسكري الأميركي الواسع يوفر المطارات والموانئ والمخازن ومراكز القيادة والتموين والصيانة، لكنه يخلق مشكلة معاكسة أثناء حرب إقليمية واسعة.

كل قاعدة تصبح منشأة يجب الدفاع عنها، وكل مطار يحتاج إلى حماية، وكل مركز لوجستي يحتاج إلى تأمين.

وبذلك يمكن أن تتحول ميزة الانتشار الجغرافي الواسع إلى التزام دفاعي واسع إذا تمكن الخصم من تهديد عدد كبير من المواقع في الوقت نفسه.

وهنا لم تعد الحرب مواجهة بين الطائرات والصواريخ فقط، بل اختباراً لقدرة شبكة عسكرية أميركية ضخمة على الاستمرار تحت الضغط.

المشكلة ليست فقط في خسارة الطائرات

خسارة مقاتلة أو تضرر طائرة تزود بالوقود خبر يمكن قياسه بالعدد والقيمة. لكن التقرير يقود إلى قضية أكبر.

فالولايات المتحدة تستطيع شراء طائرة أخرى وإصلاح قاعدة وبناء منشأة جديدة. لكن العنصر الذي يصعب شراؤه فوراً هو الوقت الصناعي.

إذا احتاج المصنع إلى عامين أو ثلاثة أعوام لتعويض مخزون استُهلك خلال أشهر، فلا تكفي الأموال وحدها. يجب توسيع خطوط الإنتاج وتأمين الموردين والمواد الخام والعمالة المتخصصة، ثم الاختبار والتسليم.

وهكذا يصبح الزمن مورداً استراتيجياً لا يقل أهمية عن المال.

فاتورة الحرب لا تنتهي بانتهاء القتال

هناك أيضاً فرق بين تكلفة تنفيذ العمليات والتكلفة الاستراتيجية الكاملة للحرب.

الأولى تشمل الذخائر والعمليات والصيانة والخسائر المباشرة. أما الثانية فتشمل إعادة بناء المخزونات وإصلاح المعدات وتعويض الطائرات وتوسيع المصانع ورفع القدرة الإنتاجية وإعادة تجهيز القواعد.

لذلك قد تنتهي العمليات العسكرية قبل أن تنتهي فاتورتها بسنوات، بل قد تبدأ بعض أكبر النفقات بعد توقف القتال عندما تبدأ عملية تعويض المخزونات المستهلكة.

وهناك تكلفة أخرى لا تظهر مباشرة بالدولار: تكلفة الفرصة العسكرية.

كل صاروخ اعتراضي استُخدم في الشرق الأوسط لم يعد متاحاً في المخزون لمواجهة أزمة محتملة في مكان آخر. وكل طائرة أو منظومة دفاعية تُنشر في مسرح معين لا تستطيع الوجود في مسرح آخر في الوقت نفسه.

وهنا يصبح السؤال: ما تأثير حرب طويلة في منطقة واحدة على قدرة قوة عالمية على الاحتفاظ بجاهزيتها لمواجهة أزمة ثانية؟

تقرير رقابي.. وليس بيان انتصار أو هزيمة

إنه تقرير رقابي أميركي للكونغرس عن العمليات والإنفاق والجاهزية والمشكلات التي ظهرت خلالها، وهو الأول ضمن التقارير الخاصة بالعملية.

فالبيان العسكري يتحدث عادة عن الأهداف التي دُمرت. أما التقرير الرقابي فيطرح أسئلة مختلفة:

كم كلف تدميرها؟ ماذا استُهلك لتحقيق ذلك؟ كم يستغرق تعويضه؟ وهل تستطيع الدولة تكرار العملية بالمعدل نفسه؟

حرب المصانع

ربما يكون هذا أهم استنتاج من تقرير «Epic Fury».

العالم يدخل مرحلة لا يمكن فيها فصل التفوق العسكري عن التفوق الصناعي. الدولة التي تمتلك مخزوناً هائلاً لكنها تنتج ببطء قد تواجه في حرب طويلة مشكلة مختلفة عن دولة تستطيع زيادة إنتاجها بسرعة.

وهكذا تعود مفاهيم قديمة إلى قلب الاستراتيجية العسكرية الحديثة: المصنع، والمخزون، وسلسلة التوريد، والمواد الخام، والعمالة، والطاقة، والقدرة على الإنتاج المستمر.

التكنولوجيا غيرت شكل السلاح، لكنها لم تلغِ قوانين الاستنزاف.

والرقم الأخطر في تقرير «Epic Fury» ليس بالضرورة ما أُنفق، بل الوقت اللازم لتعويض ما استُهلك.

فالولايات المتحدة تستطيع توفير الأموال وإقرار ميزانيات إضافية وشراء معدات جديدة، لكنها لا تستطيع اختصار سنوات من الطاقة الصناعية بمجرد تخصيص الأموال.

ولهذا لا يقول التقرير إن القوة العسكرية الأميركية أصبحت ضعيفة؛ بل يكشف أن حتى أكبر قوة عسكرية في العالم تواجه حدوداً صناعية ولوجستية عندما تتحول الحرب من عمليات مكثفة إلى استنزاف طويل.

وهنا تكمن المفارقة التي يلخصها التقرير:

يمكنك أن تمتلك أغلى صاروخ، وأفضل مقاتلة، وأكبر ميزانية دفاع في العالم، لكن السؤال الحاسم في الحرب الطويلة يظل: هل تستطيع أن تنتج غداً ما استهلكته اليوم؟

الاكثر قراءة

اشترك معنا

برعايـــة

حقوق النشر محفوظة لـ أخبار الكويت © 2025
تم تصميمه و تطويره بواسطة

www.enogeek.com