في خضم الحرب والتوتر والتصعيد العسكري، كان يُفترض أن تنشغل العواصم بحسابات القوة والردع ومآلات الصراع. لكن يبدو أن هناك ملفًا أكثر أهمية فُتح فجأة أمام الرأي العام: من صاحب الفضل في وجود من؟
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قال ما معناه إن إسرائيل ما كانت لتبقى لولاه. وبعدها جاء السفير الأمريكي لدى إسرائيل ليرد بطريقة أوحت بأن الولايات المتحدة مدينة لإسرائيل أكثر مما هي إسرائيل مدينة للولايات المتحدة.
وفجأة وجد العالم نفسه أمام نقاش غير مسبوق: هل الدولة العظمى أنقذت حليفها؟ أم أن الحليف هو الذي منح الدولة العظمى مكانتها؟ أم أن الطرفين اكتشفا متأخرين أنهما يدينان لبعضهما البعض بالوجود والبقاء والنجاح والتفوق؟
المثير في الأمر ليس التصريحات نفسها، بل توقيتها.
فعندما يشتد الضغط العسكري وتكثر الأسئلة الصعبة، يصبح البحث عن صاحب الفضل أسهل بكثير من البحث عن صاحب المسؤولية.
وعندما تتعقد الوقائع على الأرض، يصبح من المفيد أحيانًا الانتقال من مناقشة النتائج إلى مناقشة البطولات الشخصية.
ولهذا لا يبدو أن تصريحات ترامب كانت موجهة إلى الشرق الأوسط بقدر ما كانت موجهة إلى الداخل الأمريكي. فالرسالة الحقيقية لم تكن “إسرائيل تحتاجني”، بل “أنتم تحتاجونني”. أما إسرائيل فكانت مجرد منصة لإيصال الرسالة.
وجاء رد السفير ليقدم مشهدًا أكثر إثارة. فبدلًا من أن يحسم الجدل، أعاد توزيع الأدوار. فإذا كان ترامب يرى أن إسرائيل مدينة له بالبقاء، فإن السفير أراد التذكير بأن واشنطن نفسها مدينة لإسرائيل بالكثير.
وهكذا تحولت العلاقة الاستراتيجية الأكثر تعقيدًا في الشرق الأوسط إلى ما يشبه نقاشًا عائليًا حول من قدم المعروف الأكبر للآخر.
لكن خلف هذه السخرية تكمن حقيقة سياسية مهمة.
فكلما زاد الحديث عن الأشخاص، قل الحديث عن الوقائع.
وكلما تحولت الأزمات إلى قصص بطولة فردية، تراجع النقاش حول الأسئلة الحقيقية: ماذا تحقق؟ وما الذي تغير؟ وما حجم الخسائر؟ وما شكل المنطقة بعد انتهاء المواجهة؟
التاريخ يعلمنا أن الدول العظمى لا تُدار بمنطق الامتنان الشخصي، ولا تُبنى التحالفات الاستراتيجية على قاعدة “من أنقذ من”. فالمصالح هي التي تبني التحالفات، والمصالح نفسها هي التي تعيد تشكيلها عندما تتغير الظروف.
لذلك قد يكون أكثر ما تكشفه هذه التصريحات ليس قوة العلاقة بين الطرفين، بل حجم القلق الذي يحيط بها.
فالعلاقات الواثقة لا تحتاج عادة إلى تذكير الآخرين بمن أنقذ من.
أما العلاقات التي تجد نفسها مضطرة لتكرار ذلك على الملأ، فهي غالبًا تحاول إقناع جمهورها بشيء لم يعد بديهيًا كما كان في السابق.
وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا:
إذا كان كل طرف يؤكد أنه سبب نجاح الآخر، فمن المسؤول عن الإخفاقات؟
ذلك هو السؤال الوحيد الذي لم يتطوع أحد للإجابة عنه حتى الآن.

