ليست أخطر خسائر الكيان المحتل اليوم تلك التي تُقاس بالميدان العسكري أو بالخلافات السياسية، بل تلك التي بدأت تظهر في الرأي العام الأمريكي، الذي ظل لعقود يشكل الركيزة الأساسية للدعم السياسي والدبلوماسي والعسكري لها.
ولعل المفارقة اللافتة أن التحذير لم يعد يأتي فقط من منتقدي الكيان، بل أيضاً من شخصيات ومنظمات عُرفت تاريخياً بدفاعها عنها. فحين يتحدث مسؤولون وقيادات من داخل معسكر المؤيدين عن تراجع التأييد الشعبي، فإن ذلك يعكس إدراكاً بأن المشكلة لم تعد في قدرة اللوبيات على التأثير السياسي، بل في تغير قناعات المجتمع نفسه.
لقد كشفت الحرب في غزة عن تحول غير مسبوق في الوعي الأمريكي. فوسائل التواصل الاجتماعي، والبث المباشر للأحداث، والصور اليومية للدمار وسقوط أعداد كبيرة من المدنيين، جعلت ملايين الأمريكيين يشاهدون الحرب بعيداً عن الروايات التقليدية التي كانت تهيمن على المشهد الإعلامي لعقود.
ولهذا، لم يعد السؤال داخل الولايات المتحدة يدور فقط حول حق الكيان المحتل في الدفاع عن نفسه، بل اتسع ليشمل مدى التناسب في استخدام القوة، والالتزام بالقانون الدولي، وحماية المدنيين أثناء العمليات العسكرية.
وقد وصفت جهات دولية وخبراء في القانون الدولي ما يجري بأنه يثير اتهامات جدية بارتكاب انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني، فيما تستخدم دول ومنظمات حقوقية وبعض المسؤولين حول العالم مصطلح “الإبادة الجماعية”، وهو توصيف ما يزال محل نزاع قانوني وسياسي، إذ تنظر فيه المحاكم والهيئات الدولية المختصة ولم يصدر بشأنه حكم نهائي. ومع ذلك، فإن مجرد انتشار هذا الوصف في النقاش العام يعكس حجم الضرر الذي أصاب صورة الكيان دولياً.
إن ما تشهده الولايات المتحدة اليوم لا يبدو مجرد تغير عابر في المزاج السياسي، بل يمثل تحولاً جيلياً واضحاً. فالأجيال الشابة، سواء داخل الحزب الديمقراطي أو حتى بين قطاعات من المحافظين والإنجيليين، أصبحت أكثر استعداداً لانتقاد السياسات الكيان المحتل، وأقل اقتناعاً بالروايات التقليدية التي حكمت العلاقة الأمريكية الإسرائيلية لعقود. كما تظهر استطلاعات الرأي الحديثة ارتفاعاً ملحوظاً في نسبة الأمريكيين الذين يحملون نظرة سلبية تجاه الكيان مقارنة بالسنوات السابقة.
ولم يعد هذا التحول محصوراً داخل الولايات المتحدة، بل امتد إلى الساحة الدولية، حيث شهدت العديد من العواصم الغربية والجامعات الكبرى مظاهرات واسعة، كما تصاعدت الانتقادات الرسمية والشعبية المطالبة بمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات وحماية المدنيين، الأمر الذي أسهم في اتساع العزلة السياسية والإعلامية التي تواجهها حكومة الكيان المحتل في عدد من المحافل الدولية.
إن خسارة التعاطف الشعبي لا تعوضها القوة العسكرية، لأن شرعية أي دولة في النظام الدولي لا تُبنى فقط على ميزان القوة، بل أيضاً على قدرتها على الحفاظ على صورتها الأخلاقية واحترامها للقانون الدولي. وعندما تتآكل هذه الصورة، يصبح استعادة الثقة أكثر صعوبة من تحقيق أي مكسب ميداني.
ومن هنا، فإن التحول الجاري في الرأي العام الأمريكي يمثل رسالة تتجاوز حدود السياسة الداخلية الأمريكية، مفادها أن الشعوب أصبحت أكثر قدرة على الوصول إلى المعلومات، وأكثر استقلالية في تكوين مواقفها، وأن الروايات الرسمية لم تعد وحدها قادرة على تشكيل الرأي العام كما كان الحال في العقود الماضية.
ويبقى الدرس الأهم أن السلام العادل، القائم على احترام القانون الدولي وحقوق الإنسان، يظل الخيار الأكثر قدرة على استعادة الاستقرار في المنطقة. أما استمرار الصراع واتساع دائرة المعاناة الإنسانية، فإنه لا يؤدي فقط إلى إطالة أمد الأزمة، بل يسهم أيضاً في تعميق التغيرات التي يشهدها الرأي العام العالمي، والتي باتت تؤثر بصورة متزايدة في مستقبل العلاقات الدولية وموازين الدعم السياسي.

