السبت - 2026/09/19 12:00:00 صباحًا

NE

News Elementor

هذا الموقع بــرعاية

الصين تعيد اختراع اللوجستيات.. روبوتات تعمل في المستودعات ومركبات بلا سائق وموانئ تتحرك بالخوارزميات

تخيل مستودعاً ضخماً تصل إليه البضائع، فتتعرف إليها الأنظمة الذكية، وتحدد مكان تخزينها، ثم تنطلق الروبوتات لالتقاطها ونقلها وفرزها، قبل أن تغادر على متن مركبة لا يقودها أحد. وعندما تصل الحاويات إلى الميناء، تستقبلها رافعات ومركبات ذاتية الحركة تعمل ضمن شبكة واحدة تديرها الخوارزميات.

هذا المشهد لم يعد مجرد تصور لمستقبل بعيد. أجزاء كبيرة منه تعمل بالفعل في الصين اليوم.

فخلال السنوات الأخيرة، دفعت بكين بقوة نحو ما يمكن وصفه بـ«الجيل الجديد من الخدمات اللوجستية»، حيث يجتمع الذكاء الاصطناعي مع الروبوتات والقيادة الذاتية وشبكات الجيل الخامس والموانئ المؤتمتة، في محاولة لبناء سلسلة إمداد تستطيع تنفيذ جزء متزايد من أعمالها بأقل تدخل بشري مباشر.

وتكشف تقارير صينية حديثة أن انتشار تطبيقات الذكاء الاصطناعي في قطاع الخدمات اللوجستية وسلاسل الإمداد تجاوز 37%، فيما وصلت نسبة استخدامه في قطاع النقل إلى نحو 78%، وفي المستودعات الذكية إلى أكثر من 47%، وفق بيانات أوردتها صحيفة «الشعب» الصينية.

100 روبوت يتحركون في مستودع واحد

أحد أكثر المشاهد دلالة على حجم التحول يأتي من المستودعات الصينية نفسها.

فقد كشفت مجموعة China Logistics عن منظومات تسمح بتشغيل نحو 100 روبوت متنقل ذاتي الحركة AMR في وقت واحد، تتحرك داخل المنشأة وفق خريطة رقمية، وتحمل البضائع وتفرزها وتتجنب الاصطدام ببعضها بعضاً، بينما تتولى منظومة مركزية تحديد مهمة كل روبوت ومساره.

ولا تتوقف العملية عند مجرد نقل الصناديق؛ فهناك روبوتات مزودة بأذرع لالتقاط المنتجات وتفكيك منصات البضائع، وأخرى للفرز والجرد، إلى جانب تجارب على روبوتات بشرية الشكل، في إطار توجه المجموعة نحو تطوير ما تسميه «المستودعات غير المأهولة».

وفي مدينة تشانغتشون، تعمل هذه التكنولوجيا داخل مجمع لوجستي ذكي تبلغ مساحته قرابة مليون متر مربع، حيث تستخدم الروبوتات المتنقلة في عمليات الفحص والجرد، ويمكن لبعض الأنظمة إجراء جرد لأكثر من عشرة آلاف مركبة يومياً.

16 ألف مركبة توصيل بلا سائق

لكن الثورة الصينية لا تبقى خلف أبواب المستودعات.

بمجرد خروج البضاعة، يبدأ فصل آخر من القصة.

فوفق بيانات نشرتها وسائل إعلام رسمية صينية، تعمل في مناطق مختلفة من البلاد أكثر من 16 ألف مركبة توصيل غير مأهولة، إضافة إلى أكثر من 400 طائرة مسيّرة مستخدمة في قطاع البريد والشحن.

بعض هذه المركبات لا يشبه السيارة التقليدية أصلاً؛ فلا حاجة إلى مقعد للسائق أو عجلة قيادة بالشكل المعتاد، لأن المركبة صُممت منذ البداية لكي تقود نفسها.

ويستخدم الذكاء الاصطناعي لتحديد الطريق والتعامل مع حركة المركبات والمشاة والعوائق، بينما يجري توظيف هذه الآليات في نقل الطرود والبضائع بين مراكز التوزيع ونقاط التسليم.

وهنا يظهر حجم التغيير الحقيقي: الروبوت لم يعد ثابتاً داخل المصنع.. لقد خرج إلى الطريق.

75 مليون طرد شهرياً.. والذكاء الاصطناعي يقرر قبل وصولها

وفي مدينة ووهان، يقدم مركز تابع لشركة الشحن الصينية ZTO نموذجاً آخر لما يحدث.

فبدلاً من انتظار وصول ملايين الطرود ثم تحديد كيفية التعامل معها، أصبحت الأنظمة تستخدم بيانات الطلبات للتنبؤ مسبقاً بحجم الشحنات ومواعيد الذروة، ثم توزع الموارد وتضبط عمليات الفرز تلقائياً.

وخلال النصف الأول من العام، بلغ متوسط الطرود الصادرة من المركز نحو 75 مليون طرد شهرياً، بينما أدت عملية التحول الذكي، بحسب البيانات الصينية المنشورة، إلى خفض تكاليف العمالة بأكثر من 40%.

أي أن الذكاء الاصطناعي هنا لا يحرك الآلات فقط، وإنما بدأ يدخل إلى عقل العملية اللوجستية نفسها: كم طرداً سيصل؟ وأين سيذهب؟ وأي خط فرز يحتاج إلى طاقة أكبر؟ وما الطريق الأكثر كفاءة؟

وعند الميناء.. الآلات تتولى المهمة

الصورة تصبح أكثر إثارة عند الانتقال إلى الموانئ.

فالصين أنشأت عشرات محطات الموانئ المؤتمتة للحاويات والبضائع، وأصبحت الرافعات والمركبات ذاتية الحركة وأنظمة التخزين تعمل ضمن شبكات رقمية مترابطة.

وفي المرحلة الرابعة المؤتمتة من ميناء يانغشان في شنغهاي، تتحرك مركبات نقل الحاويات آلياً بين السفن وساحات التخزين، بينما يتولى نظام مركزي تنسيق حركة الرافعات والمركبات والحاويات.

ووفق بيانات «شينخوا»، تعاملت هذه المرحلة خلال عام 2025 مع نحو 8 ملايين حاوية قياسية، وأسهمت الأتمتة في رفع القدرة التشغيلية وخفض الاعتماد على العمالة في عدد من العمليات.

والعامل الذي كان يحتاج سابقاً إلى الجلوس داخل رافعة مرتفعة فوق الميناء لم يعد مضطراً بالضرورة إلى الوجود هناك؛ إذ تسمح أنظمة التحكم عن بُعد بإدارة بعض المعدات من مراكز تشغيل بعيدة.

تشينغداو.. عندما يتحول الميناء إلى «آلة عملاقة»

ويقدم ميناء تشينغداو صورة أكثر وضوحاً عن الوجهة التي تسير إليها الصين.

تضم المحطة المؤتمتة 18 رافعة جسرية آلية و83 مركبة موجهة آلياً و94 رافعة سكة حديدية عالية السرعة، تعمل جميعها ضمن منظومة تشغيل مترابطة.

وبحسب «شينخوا»، حققت المحطة كفاءة تشغيل إجمالية أعلى بنحو 30% من المحطات التقليدية، مع توفير نحو 80% من القوى العاملة اللازمة لبعض أنماط التشغيل التقليدية.

والأكثر لفتاً للانتباه أن عملية ربط السفينة بالرصيف، التي كانت تستغرق تقليدياً عشرات الدقائق في النموذج الذي تناولته الوكالة، أمكن تقليصها إلى أقل من 30 ثانية باستخدام نظام رسو آلي.

من العامل الذي يحمل الصندوق.. إلى المهندس الذي يراقب الخوارزمية

لكن الحديث عن «اللوجستيات غير المأهولة» لا يعني أن البشر اختفوا من المشهد.

ما يحدث فعلياً هو تغيير مكان الإنسان داخل سلسلة العمل.

فالوظائف التي كانت تتطلب قيادة المركبات، أو تحريك الحاويات، أو المشي لساعات بين رفوف المستودعات، تنتقل تدريجياً إلى الروبوتات؛ بينما ينتقل البشر إلى غرف التحكم والصيانة والبرمجة ومراقبة الأنظمة والتدخل عندما تواجه الآلات موقفاً غير متوقع.

وهذا يفسر التعبير الذي تستخدمه بعض المؤسسات الصينية: التعاون بين الإنسان والآلة، وليس مجرد استبدال الإنسان بالروبوت.

الهدف أكبر من مستودع ذكي

الأهم أن هذه المشاريع ليست تجارب منفصلة.

وزارة النقل الصينية تعمل على توسيع استراتيجية «الذكاء الاصطناعي + النقل» لتشمل الطرق والسكك الحديدية والموانئ والطيران والبريد والخدمات اللوجستية، مع عشرات سيناريوهات الاستخدام التي يجري تطويرها وصولاً إلى عام 2030.

والصورة التي بدأت تتشكل يمكن اختصارها في سلسلة واحدة:

الذكاء الاصطناعي يتوقع الطلب → الروبوت يلتقط المنتج → النظام يفرزه → المركبة الذاتية تنقله → الميناء المؤتمت يتعامل مع الحاوية → المركبة أو الطائرة المسيّرة تساعد في إيصاله إلى وجهته.

وهنا تكمن أهمية التجربة الصينية.

فالصين لا تعمل فقط على صناعة روبوت أسرع أو مركبة بلا سائق، بل تحاول ربط جميع هذه التقنيات داخل منظومة اقتصادية واحدة، بحيث تتحدث المستودعات والمركبات والموانئ والخوارزميات مع بعضها بعضاً.

وإذا نجح هذا النموذج في التوسع، فإن السؤال خلال السنوات المقبلة قد لا يكون: متى ستدخل الروبوتات قطاع الخدمات اللوجستية؟

فهي دخلته بالفعل

الاكثر قراءة

اشترك معنا

برعايـــة

حقوق النشر محفوظة لـ أخبار الكويت © 2025
تم تصميمه و تطويره بواسطة

www.enogeek.com