لم تعد كرة القدم مجرد تسعين دقيقة بين فريقين، ولم يعد كأس العالم مجرد بطولة رياضية. إنه واحد من المساحات القليلة التي ما زالت قادرة على جمع شعوب تختلف في السياسة والدين والجغرافيا، ثم تجعلها تجلس أمام شاشة واحدة وتتحدث لغة واحدة: لغة الكرة.
ولهذا تحديدًا، فإن ما يُثار اليوم حول مستقبل الإدارة التجارية لبطولات الاتحاد الدولي لكرة القدم FIFA، ودخول رؤوس أموال خاصة إلى قلب المنظومة، لا ينبغي التعامل معه باعتباره مجرد صفقة استثمارية.
المسألة أكبر من المال.
فـFIFA أعلن خطة لإنشاء كيان تجاري جديد بقيمة أولية مقدرة بنحو 20 مليار دولار، مع إمكانية جمع ما يصل إلى 4.2 مليارات دولار من مستثمرين يشترون حصصًا أقلية غير مسيطرة. ومن بين المستثمرين المتوقعين كيان استثماري أسسه جوشوا كوشنر، شقيق جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
وهنا يبدأ السؤال الذي يجب أن يطرحه كل محب لكرة القدم:
من يملك اللعبة؟
هل يملكها FIFA؟
هل تملكها الشركات؟
هل يملكها المستثمر الذي يستطيع كتابة أكبر شيك؟
أم أنها، قبل كل شيء، ملك لمئات الملايين من الجماهير التي صنعت قيمتها الحقيقية؟
لقد لخّص الاتحاد الأوروبي لكرة القدم UEFA القضية بعبارة شديدة الدلالة عندما اعترض على المشروع: «ليس من حق FIFA أن يبيعها»، مؤكدًا أن أحدًا لا يملك كرة القدم.
ونحن في أخبار الكويت نذهب أبعد من ذلك:
كرة القدم ليست للبيع.. واستقلال قرارها ليس للبيع أيضًا.
نحن لا نعترض على الاستثمار.
ولا نعترض على تطوير موارد FIFA.
ولا نعترض على دخول القطاع الخاص إذا كان ذلك سيؤدي إلى تطوير اللعبة، ودعم الاتحادات الفقيرة، وبناء الملاعب والأكاديميات، ونشر كرة القدم في الدول الأقل حظًا.
لكن هناك خطًا أحمر يجب ألا يُمس:
ألا يتحول المال إلى نفوذ، والنفوذ إلى سياسة، والسياسة إلى قدرة على توجيه القرار الرياضي العالمي.
فحين تدخل المصالح السياسية من باب الرياضة، تخرج العدالة الرياضية من النافذة.
والخطر لا يتعلق بدولة واحدة ولا بعائلة واحدة ولا بجماعة واحدة.
إنه مبدأ.
سواء جاء الضغط من واشنطن أو تل أبيب أو لندن أو باريس أو أي عاصمة أخرى، وسواء مارسته حكومة أو شركة عملاقة أو لوبي سياسي مؤيد لإسرائيل أو أي مجموعة مصالح أخرى، فإن النتيجة واحدة إذا نجح ذلك الضغط:
رياضة أقل استقلالًا، وجماهير أقل ثقة.
وهنا يأتي استياؤنا الحقيقي.
فالعالم يعيش أصلًا حالة استقطاب سياسي غير مسبوقة. وهناك محاولات مستمرة لاستثمار الرياضة والفن والإعلام والمنظمات الدولية في صراعات سياسية لا علاقة للجمهور الرياضي بها.
وعندما تفشل بعض القوى أو جماعات الضغط في إقناع الرأي العام بمواقفها السياسية، فلا ينبغي أن يصبح الطريق البديل هو اختراق المساحات الرياضية والتأثير فيها بالمال والعلاقات والنفوذ.
كرة القدم ليست منصة لإعادة تدوير الروايات السياسية التي رفضها الناس.
وليست وسيلة لتلميع الحكومات.
وليست أداة لخدمة أجندة مؤيدة لإسرائيل أو معادية لها، أو مؤيدة لأميركا أو معارضة لها.
الملعب يجب أن يبقى ملعبًا.
وهذا هو جوهر استقلال FIFA الذي نطالب بحمايته.
لكن المفارقة أن حماية استقلال الاتحاد الدولي لا تعني إعطاء قيادته شيكًا على بياض.
بل العكس تمامًا.
فالاستقلال الحقيقي يحتاج إلى شفافية أكبر، لا أقل.
والاعتراضات الأخيرة لا تأتي من فراغ؛ فقد انتقد رئيس الاتحاد الآسيوي لكرة القدم الشيخ سلمان بن إبراهيم آل خليفة عدم التشاور بشأن المشروع، واعتبر أن طريقة التعامل معه تهدد مبادئ التضامن والتعاون والشفافية في كرة القدم.
وهذا اعتراض يستحق التوقف عنده.
فإذا كانت هناك صفقة ستغير مستقبل الاقتصاد الكروي لعقود، فمن حق الاتحادات الوطنية والقارية والجماهير أن تعرف:
من المستثمرون؟
وما حجم نفوذهم؟
وما الحقوق التي سيحصلون عليها؟
وإلى متى؟
وهل يستطيع رأس المال يومًا ما التأثير في مكان إقامة بطولة أو توقيتها أو حقوق بثها أو سياساتها التجارية؟
هذه ليست أسئلة شعبوية.
إنها أسئلة حوكمة.
ولهذا فإن موقفنا لا ينبغي أن يكون «FIFA ضد UEFA»، ولا «إنفانتينو ضد أوروبا»، ولا «أميركا ضد بقية العالم».
المعادلة التي تستحق الدفاع عنها أبسط وأهم:
كرة القدم ضد تسييس كرة القدم.
لقد شاهد العالم مرارًا كيف تستطيع الجماهير أن ترفض الروايات الجاهزة، وكيف أن مليارات الدولارات من الحملات الإعلامية والعلاقات العامة لا تستطيع دائمًا تغيير قناعات الشعوب.
الجمهور اليوم أكثر وعيًا.
يشاهد.
يقارن.
ويحكم بنفسه.
ومن يفشل في إقناع هذا الجمهور سياسيًا، عليه ألا يبحث عن باب خلفي عبر الرياضة.
لا اللوبيات السياسية، ولا الشركات، ولا الحكومات يجب أن تمتلك مفتاح المونديال.
فالطفل الذي يلعب الكرة في أحد أحياء الكويت، والفتى الذي يركض خلفها في القاهرة، والطفلة التي تتدرب عليها في المغرب، والمشجع في البرازيل والأرجنتين ونيجيريا واليابان، جميعهم يملكون معنويًا قطعة من هذه اللعبة.
هذه هي قوة كرة القدم.
وهي أيضًا سبب الطمع فيها.
إن قيمتها ليست عشرين مليار دولار.
ولا أربعين مليارًا.
ولا مئة مليار.
قيمتها الحقيقية أنها تستطيع أن تفعل ما عجزت عنه السياسة:
أن تجعل شعوب العالم تفرح معًا.
فلا تسلبوا منها هذه الميزة.
ولا تجعلوا كأس العالم شركة سياسية بواجهة رياضية.
ولا تسمحوا لأي لوبي، أيًا كان اسمه أو اتجاهه أو دولته، بأن يشتري بالنفوذ ما لم يستطع إقناع الشعوب به بالحجة.
اتركوا السياسة خارج المستطيل الأخضر.
واتركوا المونديال للعالم.
فالكرة للجماهير… وليست للبيع.

