الأحد - 2026/08/16 8:22:09 مساءً

NE

News Elementor

هذا الموقع بــرعاية

تجّار الموت… كتاب من عام 1934 يقرأ عالم 2026

في عام 1934، وبينما كان العالم لا يزال يحمل ندوب الحرب العالمية الأولى ويقترب، من دون أن يدرك تماماً، من حرب عالمية ثانية أكثر تدميراً، صدر في الولايات المتحدة كتاب حمل عنواناً صادماً: Merchants of Death – تجّار الموت: دراسة في صناعة التسلح الدولية، للكاتبين H. C. Engelbrecht وF. C. Hanighen. لم يكن الكتاب مجرد هجوم أخلاقي على صناعة السلاح، بل محاولة لتتبع العلاقة المعقدة بين الحرب والمال والسياسة والصناعة، وكيف يمكن أن يتحول الخوف بين الدول إلى سوق، والعداء إلى طلب، والرصاصة إلى سلعة لها منتجون وممولون ومستهلكون.

وبعد أكثر من تسعين عاماً، تبدو بعض الأسئلة التي طرحها الكتاب وكأنها كُتبت لعالمنا اليوم.

من البارود إلى الإمبراطوريات الصناعية

بدأت القصة قبل الحرب العالمية الأولى بوقت طويل.

مع الثورة الصناعية، لم يعد السلاح منتجاً يصنعه حداد أو ورشة صغيرة، بل تحول تدريجياً إلى صناعة ثقيلة تحتاج إلى مصانع ورؤوس أموال وعقود حكومية وأسواق خارجية. ظهرت أسماء كبرى في أوروبا والولايات المتحدة، وأصبحت المدافع والذخائر والسفن الحربية والمدافع الرشاشة جزءاً من تجارة دولية ضخمة.

وهنا يلفت تجّار الموت النظر إلى مفارقة جوهرية: الشركة التجارية العادية تبحث عن زيادة الطلب على سلعتها، لكن ماذا يحدث عندما تكون السلعة دبابة أو مدفعاً أو ذخيرة؟

إن ازدهار هذه الصناعة يرتبط بطبيعته بارتفاع الشعور بالخطر.

وكلما شعر بلد بأنه مهدد، اشترى المزيد من السلاح. وعندما يتسلح، يشعر جاره بأنه أصبح أكثر عرضة للخطر، فيتسلح بدوره. وهكذا تبدأ دائرة قد لا يحتاج أحد إلى التخطيط لها سراً؛ فمصالح الدول ومصالح الشركات والخوف المتبادل تستطيع وحدها أن تصنع سباقاً متصاعداً للتسلح.

ثم جاءت الحرب العالمية الأولى

عندما اندلعت الحرب عام 1914، تحولت أوروبا إلى أكبر مستهلك للسلاح في التاريخ حتى ذلك الوقت.

مصانع الذخيرة عملت بلا توقف، والمصارف موّلت الحكومات، والدول اقترضت لتمويل الحرب، والصناعات المرتبطة بالحديد والصلب والمتفجرات والنقل حققت توسعاً هائلاً.

ويركز الكتاب بصورة خاصة على التجربة الأميركية، مقدماً أرقاماً وادعاءات كانت صادمة للرأي العام في الثلاثينيات عن الأرباح التي تحققت أثناء الحرب وارتفاع قيمة شركات مرتبطة بالذخائر والتسليح. وأصبح الكتاب جزءاً من موجة سياسية وفكرية أوسع دفعت مجلس الشيوخ الأميركي في 1934 إلى تشكيل لجنة Nye Committee للتحقيق في تجارة الذخائر ودور المصالح الاقتصادية المرتبطة بالحرب العالمية الأولى.

لكن هنا يجب التمييز بين سؤالين.

هل صناعة السلاح تخلق الحروب؟

أم أن الحروب والتنافس بين الدول تخلق صناعة سلاح ضخمة ثم تمنحها، بعد ذلك، نفوذاً اقتصادياً وسياسياً يجعل الخروج من دائرة التسلح أكثر صعوبة؟

حتى الكتاب نفسه يقدم فكرة أكثر تعقيداً من نظرية المؤامرة المبسطة: نظام الحرب سبق صناعة السلاح الحديثة، لكن صناعة السلاح أصبحت جزءاً اقتصادياً من هذا النظام. (Mises Institute)

وهذه النقطة تحديداً تجعل الكتاب مهماً في قراءة عالم 2026.

من «كروب» و«دو بونت» إلى الطائرات المسيّرة والذكاء الاصطناعي

تغير السلاح، لكن الاقتصاد المحيط به لم يختفِ.

في ثلاثينيات القرن الماضي كان النقاش يدور حول المدافع والبوارج والبارود والمدافع الرشاشة. اليوم نتحدث عن الصواريخ الدقيقة، والطائرات المسيّرة، والدفاع الجوي، والأقمار الصناعية، والحرب السيبرانية والذكاء الاصطناعي والأنظمة ذاتية التشغيل.

وتغيرت أسماء الشركات والتكنولوجيا، لكن السؤال القديم بقي:

ماذا يحدث عندما يصبح انعدام الأمن العالمي أحد أكبر محركات الاستثمار الصناعي؟

الأرقام الحالية تجعل السؤال مشروعاً.

بحسب معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام SIPRI، بلغ الإنفاق العسكري العالمي في عام 2025 نحو 2.887 تريليون دولار، مسجلاً العام الحادي عشر على التوالي من الارتفاع. وزاد الإنفاق العسكري العالمي بنحو 41% خلال عشر سنوات بين 2016 و2025. أما الولايات المتحدة والصين وروسيا وحدها فمثلت نحو 51% من الإنفاق العسكري العالمي. (SIPRI)

وفي الجهة الأخرى من المعادلة، وصلت إيرادات أكبر 100 شركة لصناعة السلاح والخدمات العسكرية إلى مستوى قياسي بلغ 679 مليار دولار في 2024، بزيادة 5.9% خلال عام واحد، وفق SIPRI. وربط المعهد ارتفاع الطلب بالحروب في أوكرانيا وغزة وبالتوترات الجيوسياسية واتجاه الدول إلى توسيع ترساناتها. (SIPRI)

إنها أرقام كان مؤلفا تجّار الموت سيتعرفان فوراً إلى منطقها، وإن لم يتعرفا إلى التكنولوجيا التي أنتجتها.

الحرب لم تعد جبهة فقط… بل سلسلة توريد

الحروب الحديثة كشفت كذلك حقيقة اقتصادية جديدة: الصراع لا يستهلك الجنود والمعدات فحسب، بل يستهلك المخزونات الصناعية بوتيرة هائلة.

الحرب في أوكرانيا، والصراع في غزة، والحرب الدائرة مع إيران والتوترات الممتدة في الخليج والبحر الأحمر، أعادت إلى العواصم سؤالاً بدا بعد الحرب الباردة وكأنه أصبح من الماضي:

هل تستطيع مصانعنا إنتاج الذخيرة بالسرعة التي تستهلكها بها جبهاتنا؟

وفي أغسطس 2026، ذكرت رويترز أن الجيش الأميركي استخدم خلال الحرب مع إيران قدراً كبيراً من مخزونه من بعض الصواريخ بعيدة المدى عالية الدقة، ما أثار مخاوف مرتبطة بالجاهزية لمواجهات محتملة أخرى. وفي الوقت نفسه، أصبحت زيادة الإنتاج العسكري وسلاسل توريد الذخائر موضوعاً مركزياً في النقاش الدفاعي الغربي.

هنا نعود مرة أخرى إلى عام 1934.

السلاح الذي يُستهلك اليوم يجب أن يُستبدل غداً.

والمخزون الذي ينخفض يولد عقد شراء.

والعقد يولد خط إنتاج.

وخط الإنتاج يخلق وظائف واستثمارات ومصالح اقتصادية.

وبمرور الوقت لا تعود صناعة الدفاع مجرد أداة للحرب؛ بل تصبح قطاعاً اقتصادياً ضخماً له موظفون ومساهمون وموردون ومدن تعتمد عليه ومشرعون يدافعون عنه وحكومات تعتبره جزءاً من أمنها القومي.

وهنا تكمن المعضلة التي طرحها تجّار الموت منذ تسعين عاماً.

عندما يصبح الخوف سوقاً

ليس ضرورياً أن نفترض أن شركة سلاح تريد اندلاع حرب لكي نفهم المشكلة.

المسألة أخطر وأكثر تعقيداً من ذلك.

ففي عالم تتزايد فيه المخاطر، تصبح كل أزمة حجة لمزيد من الإنفاق، وكل حرب دليلاً على ضرورة تخزين المزيد من الصواريخ، وكل تقنية يستخدمها الخصم مبرراً لتطوير تقنية مضادة.

طائرة مسيّرة تستدعي نظاماً لإسقاطها.

صاروخ أسرع يستدعي منظومة دفاع أكثر تطوراً.

ذكاء اصطناعي عسكري يستدعي ذكاءً اصطناعياً مضاداً.

قمر صناعي عسكري يستدعي وسائل لتعطيله وحمايته في الوقت نفسه.

وهكذا يتحول مفهوم الأمن إلى سباق تكنولوجي لا توجد له نقطة نهاية واضحة.

والمفارقة أن كل طرف يستطيع أن يقول إنه يتسلح من أجل السلام، بينما يرى الطرف المقابل في هذا التسلح استعداداً للحرب.

إنها المعضلة الأمنية القديمة، لكن بأموال وتقنيات لم يكن مؤلفا تجّار الموت قادرين على تخيلها.

من يدفع الثمن؟

في النهاية، لا تُدفع تكلفة الحرب من ميزانيات الدفاع وحدها.

الحرب تعني نفطاً أغلى، وتأميناً بحرياً أعلى، وسلاسل إمداد مضطربة، وديوناً حكومية أكبر، وضغوطاً على العملات والأسعار والميزانيات العامة.

الحرب الأميركية مع إيران، على سبيل المثال، بلغت تكلفتها المعلنة للولايات المتحدة 37.5 مليار دولار بحلول يوليو 2026، وفق تصريحات نقلتها رويترز عن وزارة الدفاع الأميركية، بينما امتدت آثار الصراع إلى طرق الطاقة والشحن والأسواق.

وهنا يظهر الوجه الآخر لعبارة «تجّار الموت».

فالأرباح والخسائر لا تتوزع بالطريقة نفسها.

قد تربح شركة من زيادة الطلب على الصواريخ، بينما يدفع المواطن في دولة بعيدة جزءاً من تكلفة الأزمة في فاتورة الوقود أو الغذاء.

وقد تحصل مصانع على عقود بمليارات الدولارات، بينما تتحمل الحكومات الديون لعقود.

أما الإنسان الموجود في ساحة الحرب، فلا يرى الأسهم ولا العقود ولا الناتج المحلي.

إنه يرى المنزل الذي اختفى، والأسرة التي نزحت، والمستشفى الذي امتلأ.

التاريخ لا يعيد نفسه… لكنه يعيد منطقه

عندما صدر Merchants of Death عام 1934، كان العالم يعتقد أنه تعلم من الحرب العالمية الأولى.

كانت ذكريات ملايين القتلى ما تزال حاضرة، وكانت الدعوات إلى نزع السلاح قوية، وكانت عصبة الأمم قائمة، وكانت كتب كاملة تكتب لتحذير البشرية من تكرار الكارثة.

وبعد خمس سنوات فقط اندلعت الحرب العالمية الثانية.

هذه ليست دعوة إلى القول إن العالم يتجه حتماً إلى حرب عالمية ثالثة، ولا أن كل إنفاق عسكري غير مشروع؛ فالدول لديها بالفعل تهديدات حقيقية وحق في الدفاع عن أمنها ومواطنيها.

لكن التاريخ يقدم تحذيراً أكثر دقة:

الخطر يبدأ عندما يصبح الاستعداد للحرب أمراً طبيعياً إلى درجة أن يصبح السلام هو الاستثناء الذي يحتاج إلى تفسير.

اليوم ترتفع الميزانيات العسكرية، وتتوسع مصانع الذخيرة، وتدخل شركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي بقوة إلى القطاع الدفاعي، بينما تدفع حروب أوكرانيا والشرق الأوسط والتنافس الأميركي–الصيني الدول إلى إعادة التفكير في مخزوناتها وقدراتها الصناعية. وحتى معارض الأسلحة والطيران باتت تعكس هذا التحول؛ ففي معرض فارنبورو 2026 برزت الأسلحة والأنظمة الذاتية والذكاء الاصطناعي العسكري بصورة متزايدة مع ارتفاع الطلب الدفاعي.

بعد اثنين وتسعين عاماً على صدور الكتاب، ربما لم يعد المصطلح الأدق هو «تجّار الموت» وحده.

لقد أصبح لدينا اقتصاد كامل للخوف: حكومات تخشى خصومها، وشعوب تخشى الحرب، وجيوش تخشى نفاد مخزوناتها، وشركات تتنافس لتقديم الجيل التالي من السلاح، وأسواق مالية تحاول تسعير كل أزمة قبل أن تنتهي.

وفي وسط كل ذلك يبقى السؤال الذي تركه لنا التاريخ:

هل نصنع السلاح لأن العالم أصبح أكثر خطراً، أم أن العالم يصبح أكثر خطراً كلما جعلنا السلاح الوسيلة الأولى لمعالجة خوفنا؟

ربما لا يقدم Merchants of Death إجابة كاملة عن حروب القرن الحادي والعشرين. فالكتاب ابن زمنه، وبعض أطروحاته حول أسباب دخول الولايات المتحدة الحرب العالمية الأولى ظلت موضع جدل تاريخي، ولا يجوز تحويله إلى تفسير وحيد لكل حرب.

لكن قيمته الحقيقية تكمن في أنه يجبر القارئ على النظر خلف دخان المعركة.

خلف كل صاروخ مصنع.

خلف كل صفقة بمليارات الدولارات.

خلف كل سباق تسلح.

هناك اقتصاد.

وخلف الاقتصاد توجد مصالح.

وخلف المصالح توجد قرارات سياسية.

أما في نهاية السلسلة، فعندما تفشل السياسة ويبدأ إطلاق النار، يبقى الإنسان هو الذي يدفع الفاتورة الأكبر.

وهذه، بعد أكثر من تسعين عاماً، هي الرسالة التي تجعل «تجّار الموت» كتاباً عن الماضي… وكتاباً مخيفاً عن الحاضر أيضاً.

 

الاكثر قراءة

اشترك معنا

برعايـــة

حقوق النشر محفوظة لـ أخبار الكويت © 2025
تم تصميمه و تطويره بواسطة

www.enogeek.com