تواصل العلاقات بين الإمارات العربية المتحدة وألمانيا توسعها على مختلف المستويات، مدفوعة بشراكة استراتيجية تمتد لأكثر من خمسة عقود، وتشمل مجالات السياسة والاقتصاد والاستثمار والطاقة والصناعة والتكنولوجيا والتعليم والثقافة والسياحة.
وبدأت العلاقات الدبلوماسية بين البلدين عام 1972، قبل أن تشهد تطورًا مهمًا مع إعلان الشراكة الاستراتيجية عام 2004.
ومنذ ذلك الوقت، أسهمت الزيارات المتبادلة والاتصالات المستمرة بين مسؤولي البلدين في تعزيز التنسيق السياسي، وفتح مجالات جديدة للتعاون الاقتصادي والاستثماري.
وتستند العلاقات الإماراتية الألمانية إلى المصالح المشتركة والحوار والاحترام المتبادل، إلى جانب توافق في عدد من الملفات الإقليمية والدولية.
ويشمل ذلك دعم الأمن والاستقرار الإقليمي، وضمان سلامة الملاحة الدولية، ومكافحة التطرف والإرهاب، ونبذ خطاب الكراهية، إلى جانب دعم الحلول السياسية والدبلوماسية للأزمات.
التجارة والاستثمارات في صدارة الشراكة
يمثل التعاون الاقتصادي أحد أبرز ركائز العلاقات بين الإمارات وألمانيا.
وتعد الإمارات الشريك الاقتصادي الأهم لألمانيا في منطقة الخليج العربي، بينما تجاوز حجم التجارة الثنائية بين البلدين 13.56 مليار يورو خلال عام 2025.
كما ارتفعت واردات ألمانيا من الإمارات بأكثر من 50% خلال العام نفسه، في مؤشر على تنامي حركة التجارة بين الجانبين.
ويضم السوق الإماراتي نحو 2000 شركة ألمانية، تتخذ من الدولة مركزًا إقليميًا لخدمة أسواق الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا.
وفي المقابل، يواصل مجتمع الأعمال الإماراتي توسيع استثماراته وحضوره داخل السوق الألمانية.
وشهدت برلين في يوليو 2025 إطلاق مجلس الأعمال الإماراتي الألماني، بحضور أكثر من 150 شخصية من قادة الأعمال والشركات في البلدين.
ويستهدف المجلس تعزيز التجارة والاستثمار، وتطوير شراكات جديدة بين الشركات الإماراتية والألمانية.
كما يضم المجلس الألماني الإماراتي المشترك للصناعة والتجارة، الذي تأسس عام 2009، أكثر من 500 شركة من البلدين.
استثمارات إماراتية متنامية في ألمانيا
انتقلت الشراكة الاقتصادية بين الإمارات وألمانيا من التجارة التقليدية إلى استثمارات صناعية واستراتيجية طويلة الأمد.
وفي ديسمبر 2025، أعلنت شركة الإمارات العالمية للألمنيوم مشروع توسعة لشركة «ليشتميتال» التابعة لها في ألمانيا، باستثمارات تبلغ نحو 170 مليون دولار.
ويهدف المشروع إلى زيادة قدرات إعادة تدوير الألمنيوم، مع توقع بدء عمليات الإنتاج في المنشأة الجديدة بحلول عام 2028.
كما عززت الإمارات حضورها في قطاع الصناعات المتقدمة من خلال شركة «XRG»، الذراع الدولية للاستثمار في قطاع الطاقة التابعة لـ«أدنوك».
واستكملت الشركة في ديسمبر 2025 الاستحواذ على «كوفيسترو» الألمانية، المتخصصة في تصنيع الكيماويات والبوليمرات عالية الأداء والمواد المستدامة، في صفقة بلغت قيمتها 14.7 مليار يورو.
وفي مايو 2026، وسعت مجموعة موانئ أبوظبي حضورها في السوق الألمانية، بعد توقيع اتفاقية للاستحواذ على شركة «إم بي إس اللوجستية» بقيمة مؤسسية بلغت نحو 300 مليون درهم.
ويمثل الاستثمار بوابة استراتيجية إلى أسواق وسط أوروبا، كما يعزز حضور المجموعة في قطاع الخدمات اللوجستية متعددة الوسائط بألمانيا.
الطاقة.. محور رئيسي للشراكة
تحتل الطاقة موقعًا متقدمًا في العلاقات الإماراتية الألمانية.
وأطلق البلدان شراكتهما في مجال الطاقة عام 2017، قبل توسيع نطاقها في 2022 لتشمل التعاون في مجال المناخ.
وشهدت السنوات الماضية توسع التعاون في مجالات الهيدروجين ووقود الطيران المستدام والطاقة المتجددة وربط شبكات الطاقة، إضافة إلى خفض الانبعاثات الصناعية وتخزين الطاقة.
واستضافت الإمارات في يناير 2026 الاجتماع العاشر للمجموعة التوجيهية رفيعة المستوى للشراكة الإماراتية الألمانية في مجال الطاقة.
وخلال الاجتماع، بحث الجانبان أولويات التعاون خلال العام، في وقت تواصل فيه «أدنوك» تعزيز دورها في تلبية احتياجات السوق الألمانية من الطاقة.
وفي يوليو 2025، وقعت «أدنوك للغاز» اتفاقية مدتها ثلاث سنوات مع شركة «سيفي» الألمانية لتوريد 0.7 مليون طن متري من الغاز الطبيعي المسال، بقيمة تصل إلى 1.5 مليار درهم.
كما أبرمت «أدنوك» و«آر دبليو إي» في فبراير 2026 اتفاقية تعاون استراتيجي لاستكشاف فرص توريد الغاز الطبيعي المسال إلى ألمانيا والأسواق الأوروبية.
وتتضمن الاتفاقية بحث توريد كميات تصل إلى مليون طن متري سنويًا، ولمدة قد تصل إلى عشر سنوات.
تعاون متزايد في الطاقة النظيفة والتكنولوجيا
لا يقتصر التعاون في قطاع الطاقة على النفط والغاز، إذ يبحث البلدان فرصًا جديدة في مجال الطاقة النظيفة.
وتعمل «مصدر» وشركاؤها الألمان على استكشاف فرص تطوير أنظمة بطاريات لتخزين الطاقة في ألمانيا، إلى جانب مشروعات طاقة الرياح البحرية والهيدروجين الأخضر.
ويعكس ذلك توجه البلدين نحو تطوير مصادر طاقة أكثر استدامة ودعم التحول في منظومات الطاقة.
كما تتوسع الشراكة الإماراتية الألمانية في مجالات العلوم والتكنولوجيا المتقدمة.
وشهد يونيو 2025 زيارة وفد إماراتي إلى ألمانيا لبحث التعاون في التقنيات الحيوية والناشئة والمتقدمة والابتكار.
وفي مايو 2026، وقع مجلس الأمن السيبراني وشركة «سيمنس» مذكرة تفاهم لتعزيز حماية البنية التحتية الحيوية والقطاعات الصناعية.
وتتضمن الشراكة أيضًا إنشاء مركز ابتكار مشترك للتميز في مجال الأمن السيبراني.
التعليم والسياحة يوسعان جسور التعاون
ويمتد التعاون الإماراتي الألماني إلى قطاع التعليم والتدريب المهني.
وتوجد مدارس ألمانية في أبوظبي ودبي والشارقة، فيما شهدت الشارقة في مايو 2026 تدشين المعهد الألماني الإماراتي للتعليم المهني «GEVI».
ويقدم المعهد نموذج التعليم المهني المزدوج الذي يجمع بين الدراسة الأكاديمية والتدريب العملي.
وبدأ المعهد ببرنامجي الميكاترونكس ومبيعات السيارات، مع مؤهلات معترف بها في ألمانيا ومعادلة لدبلوم المستوى الرابع في الإمارات.
وتشكل الثقافة والسياحة والطيران بدورها جسورًا إضافية بين البلدين.
وافتتح معهد «غوته» الثقافي الألماني في أبوظبي عام 2006، فيما تواصل حركة السفر بين الإمارات وألمانيا نموها.
وفي يونيو 2026، أعلنت «طيران الإمارات» جاهزيتها لإطلاق رحلات يومية إلى برلين وشتوتغارت، باستثمارات تشغيلية تتجاوز 100 مليون يورو سنويًا، رهناً بالحصول على الموافقات اللازمة.
كما أعلنت «العربية للطيران» في أغسطس 2026 إطلاق رحلات يومية مباشرة بين الشارقة ودوسلدورف، اعتبارًا من 16 ديسمبر 2026.
وتكشف هذه التطورات عن اتساع نطاق الشراكة الإماراتية الألمانية، التي لم تعد تقتصر على التجارة والاستثمارات، بل أصبحت تشمل الطاقة والصناعة والتكنولوجيا والأمن السيبراني والتعليم والطيران.
ومع استمرار نمو الاستثمارات وتبادل الخبرات، تبدو العلاقات بين أبوظبي وبرلين أمام مرحلة جديدة من التعاون الاقتصادي والاستراتيجي، مدفوعة برغبة مشتركة في بناء شراكات طويلة الأمد في القطاعات الحيوية والمستقبلية.

