السبت - 2026/09/19 3:54:30 صباحًا

NE

News Elementor

هذا الموقع بــرعاية

الخريطة الجديدة للعالم… حين يرتفع البحر وتتغير موازين القوة

هل يشتري أثرياء العالم الأراضي البعيدة ويبنون الملاجئ لأنهم يعرفون ما لا نعرفه؟ أم أن الحقيقة، بعيدًا عن ضجيج مواقع التواصل الاجتماعي، أكثر تعقيدًا وأشد أهمية؟

تخيل أنك تقف على أحد شواطئ الخليج العربي بعد عقود من الآن.

المكان هو المكان، والأفق الذي اعتدناه لا يزال أمامنا، لكن البحر أصبح أقرب. بعض المناطق الساحلية باتت تحتاج إلى حواجز أعلى، والبنية التحتية صممت وفق حسابات جديدة، والحرارة أصبحت عاملًا أساسيًا في تخطيط المدن، بينما تغيرت في الجهة الأخرى من العالم خريطة الطاقة والتجارة والتحالفات.

وفي الوقت نفسه، هناك من يشتري مساحات شاسعة من الأراضي في أماكن بعيدة، ومن يبني مساكن قادرة على العمل بصورة شبه مستقلة، ومن يستثمر في الماء والغذاء والطاقة والحماية.

وهنا يظهر السؤال المثير:

هل يعرف أصحاب المليارات شيئًا عن مستقبل العالم لا يعرفه الآخرون؟

هذا السؤال انتشر أخيرًا عبر مقاطع تتحدث عن «خريطة مستقبلية للعالم»، وعن ارتفاع مستوى البحار، وعن أثرياء يشترون الأراضي والجزر ويبنون الملاجئ استعدادًا لكارثة عالمية.

ثم يظهر في بعض هذه المقاطع كتاب أحمر شهير يحمل عنوان «الخريطة الجديدة: الطاقة والمناخ وصراع الأمم».

ومن هنا تبدأ القصة.

لكنها ليست القصة التي توحي بها تلك المقاطع.

«الخريطة الجديدة»… كتاب لا يتحدث عن نهاية العالم

مؤلف الكتاب هو الخبير الأمريكي في شؤون الطاقة دانيال يرغن، الحائز جائزة بوليتزر، وأحد أبرز من كتبوا عن النفط والطاقة وعلاقتهما بالاقتصاد والسياسة الدولية.

وقد صدر كتابه «الخريطة الجديدة» عام 2020، وهو في حقيقته ليس كتابًا عن خريطة سرية تحدد الأماكن التي ستغرق، ولا عن موعد كارثة عالمية مقبلة.

إنه كتاب عن شيء ربما يكون أكثر أهمية:

كيف يعاد رسم خريطة القوة في العالم.

فالخريطة عند يرغن ليست مجرد حدود دول وقارات، وإنما شبكة هائلة من النفط والغاز والموانئ وخطوط الأنابيب والتكنولوجيا والمناخ والتجارة والممرات البحرية والصراع بين القوى الكبرى.

يناقش الكتاب صعود الولايات المتحدة كقوة ضخمة في إنتاج النفط والغاز بفضل ثورة النفط الصخري، والتنافس المتزايد بين واشنطن وبكين، وعلاقة روسيا بالطاقة، وأهمية بحر الصين الجنوبي، ومستقبل الشرق الأوسط، ثم الانتقال العالمي نحو مصادر طاقة أقل انبعاثًا للكربون.

والفكرة المركزية شديدة البساطة والخطورة في الوقت نفسه:

حين تتغير الطاقة، تتغير السياسة. وحين تتغير السياسة، يعاد رسم خريطة العالم.

فالنفط لم يكن خلال القرن العشرين مجرد وقود للسيارات والطائرات.

كان قوة.

وكان مالًا.

وكان أمنًا قوميًّا.

وكان سببًا في بناء تحالفات واندلاع أزمات وحروب وتغيير سياسات دول بأكملها.

والسؤال الذي يطرحه القرن الحادي والعشرون هو: ماذا يحدث عندما يدخل إلى هذه المعادلة المناخ والطاقة المتجددة والسيارات الكهربائية والبطاريات والمعادن الاستراتيجية والذكاء الاصطناعي؟

هنا تبدأ «الخريطة الجديدة» الحقيقية.

البحر نفسه يدخل المعادلة

لكن بعيدًا عن المبالغات المنتشرة على الإنترنت، هناك حقيقة علمية لا يمكن تجاهلها:

مستوى سطح البحر يرتفع بالفعل.

فالاحترار العالمي يؤدي إلى تمدد مياه المحيطات مع ارتفاع حرارتها، بالتزامن مع فقدان الكتل الجليدية، وهو ما يؤدي إلى ارتفاع متوسط مستوى البحر عالميًا.

وتشير تقديرات الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ إلى أن الارتفاع المتوقع لمتوسط مستوى سطح البحر عالميًا بحلول عام 2100 يعتمد بصورة كبيرة على مسار الانبعاثات خلال العقود المقبلة.

وفي السيناريو شديد الانخفاض للانبعاثات، يقع النطاق المرجح للارتفاع بحلول نهاية القرن عند نحو 28 إلى 55 سنتيمترًا مقارنة بمتوسط الفترة من 1995 إلى 2014، بينما قد يصل في سيناريو الانبعاثات المرتفعة جدًا إلى نحو 63 سنتيمترًا إلى 1.01 متر.

وهنا يجب التوقف.

فهذا لا يعني أن العالم سيستيقظ في صباح عام 2100 ليجد البحر قد ارتفع مترًا في كل مكان بالطريقة نفسها.

ولا يعني أن كل المدن الساحلية ستغرق.

ولا يعني أن خريطة متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي تمثل شكل العالم المؤكد في المستقبل.

العلم لا يعمل بهذه الطريقة.

هناك سيناريوهات مختلفة، وفروق محلية في مستوى البحر، وهبوط وارتفاع للأرض نفسها، وعوامل مرتبطة بالعواصف والمد والجزر والبنية التحتية والحواجز الساحلية وقدرة الدول على التكيف.

ولهذا توفر وكالة الفضاء الأمريكية أدوات تسمح بدراسة توقعات ارتفاع مستوى البحر وفق المواقع والسيناريوهات المختلفة بدلًا من التعامل مع «خريطة نهاية عالم» واحدة.

والفارق بين الأمرين جوهري.

العلم يقدم احتمالات وسيناريوهات. أما الإنترنت فيفضل الصورة الأكثر إثارة.

ولكن لماذا يبني بعض المليارديرات الملاجئ؟

وهنا نصل إلى أكثر أجزاء الحكاية إثارة.

لأن فكرة أن بعض كبار الأثرياء يشترون أراضي واسعة أو يقيمون منشآت شديدة الحماية ليست اختراعًا بالكامل.

هناك حالات موثقة بالفعل.

فقد تناولت تقارير صحفية منذ سنوات اهتمام بعض أثرياء قطاع التكنولوجيا بنيوزيلندا بوصفها مكانًا بعيدًا جغرافيًا يتمتع بالاستقرار والمساحات الواسعة والموارد الطبيعية، وبرز ضمن تلك القصص امتلاك الملياردير التقني بيتر ثيل أراضي هناك.

كما كشف تحقيق صحفي لمجلة «وايرد» عن تفاصيل مجمع ضخم مرتبط بمؤسس شركة ميتا مارك زوكربيرغ في جزيرة كاواي في هاواي، وتضمنت الخطط المنشورة ملجأ تحت الأرض تبلغ مساحته نحو خمسة آلاف قدم مربعة، ضمن مشروع ضخم متعدد المنشآت.

إذن، هناك شيء حقيقي يحدث.

لكن هنا أيضًا ينبغي ألا نقفز من الحقيقة إلى الاستنتاج.

وجود أثرياء يبنون ملاجئ لا يثبت وجود خريطة سرية لنهاية العالم.

ولا توجد أمامنا أدلة موثوقة تثبت أن هؤلاء الأشخاص يشترون الأراضي لأنهم تلقوا معلومات سرية عن فيضان عالمي قادم.

فالإنسان الذي يمتلك ثروة بمليارات الدولارات يتعامل مع المخاطر بطريقة تختلف جذريًا عن الإنسان العادي.

بالنسبة إليه، امتلاك عقار في مدينة، ومنزل في دولة أخرى، ومزرعة في منطقة بعيدة، ومصدر مستقل للمياه والكهرباء، وربما ملجأ شديد الحماية، قد يكون ببساطة نوعًا من التأمين ضد أسوأ الاحتمالات.

ليس المطلوب أن يعتقد أن الحضارة ستنهار.

يكفي أن يسأل نفسه:

ماذا لو حدثت أزمة كبرى؟

الملياردير لا يحتاج إلى معرفة المستقبل

وهذه ربما النقطة الأكثر إثارة في القضية كلها.

ليس ضروريًا أن يعرف الملياردير ما سيحدث.

يكفي أن يستطيع شراء الحماية من الأشياء التي قد تحدث.

حرب واسعة.

وباء جديد.

انقطاع طويل للكهرباء.

اضطرابات اجتماعية.

أزمة غذاء.

هجوم إلكتروني واسع.

كارثة طبيعية.

أو حتى انهيار مؤقت في الخدمات الأساسية.

إذا كانت تكلفة الاستعداد لهذه السيناريوهات تمثل جزءًا ضئيلًا للغاية من ثروته، فإن القرار يصبح مفهومًا من منظور إدارة المخاطر.

وهنا يتغير السؤال.

بدلًا من:

«ماذا يعرف المليارديرات ولا نعرفه؟»

ربما يكون السؤال الأكثر دقة:

«لماذا يستطيع المليارديرات الاستعداد لمخاطر نعرف نحن أيضًا أنها موجودة؟»

وهذا سؤال اقتصادي واجتماعي وسياسي أكثر عمقًا بكثير من نظرية المؤامرة.

 

أما الدول فلا تستطيع شراء ملجأ

وهنا تأتي القضية التي ينبغي أن تعنينا في الخليج.

الفرد الثري يستطيع الانتقال من مكان إلى آخر.

لكن الدولة لا تستطيع حمل مدنها وموانئها ومحطات الكهرباء والمطارات والمصافي وشبكات المياه والمنازل والطرق والذهاب بها إلى مكان آخر.

ولهذا فإن تغير المناخ بالنسبة للدول الساحلية ليس قصة بيئية فحسب.

إنه ملف أمن قومي واقتصادي وعمراني.

والخليج العربي تحديدًا يضع أمامنا مفارقة تاريخية مثيرة.

فهذه المنطقة بنت جانبًا كبيرًا من قوتها الاقتصادية خلال القرن الماضي على الطاقة التي شكلت العالم القديم، لكنها ستكون في الوقت نفسه من المناطق التي تحتاج إلى التعامل بجدية مع عالم أكثر حرارة وتحولات كبيرة في الطاقة والمياه والتخطيط الحضري.

ومن هنا يصبح السؤال بالنسبة إلى الكويت ودول الخليج أكبر من مجرد: متى سينخفض الطلب على النفط؟

السؤال الحقيقي هو:

كيف نحول ثروة عصر النفط إلى قوة قادرة على الاستمرار في عصر ما بعد التحولات الكبرى للطاقة؟

قد لا يكون «نفط المستقبل» نفطًا أصلًا.

فالعالم الذي يبني ملايين السيارات الكهربائية وشبكات الطاقة المتجددة ومراكز البيانات يحتاج إلى النحاس والليثيوم والنيكل ومعادن أخرى، وإلى أشباه الموصلات والبطاريات وشبكات الكهرباء والتكنولوجيا.

وهكذا يمكن أن تنتقل بعض ساحات المنافسة الدولية تدريجيًا من السيطرة على حقول النفط وخطوط الأنابيب إلى السيطرة على المعادن الاستراتيجية وسلاسل الإمداد والتكنولوجيا والبيانات والطاقة الجديدة.

لكن ذلك لا يعني اختفاء النفط والغاز بين ليلة وضحاها.

بل يعني أن العالم يدخل مرحلة طويلة ومعقدة تتعايش فيها الطاقة التقليدية مع الطاقة الجديدة.

وهنا تحديدًا تلتقي رؤية دانيال يرغن مع الواقع الذي نشاهده.

خريطة الطاقة تتغير، ولذلك تتغير معها خريطة المصالح.

الكويت أمام البحر… وأمام المستقبل

بالنسبة إلى الكويت، لا ينبغي قراءة هذه القضية بخوف، بل بالتخطيط.

فوجود دولة صغيرة جغرافيًا ذات ساحل طويل وبنية تحتية ومنشآت حيوية قريبة من البحر يجعل التخطيط المناخي بعيد المدى أمرًا يستحق أن يكون جزءًا من التخطيط الاقتصادي والعمراني.

لكن الاستعداد لا يعني توقع غرق الكويت.

وهذه نقطة مهمة.

إنما يعني أن المشروعات التي يفترض أن تعمل خمسين أو مئة عام يجب أن تأخذ في الاعتبار العالم الذي ستعمل فيه، لا العالم الذي بنيت فيه مشروعات القرن الماضي.

ارتفاع مستوى البحر ليس سوى عنصر واحد.

هناك أيضًا الحرارة الشديدة، والطلب على الكهرباء، وتحلية المياه، والأمن الغذائي، والعواصف، وتصريف مياه الأمطار، وحماية المنشآت الساحلية.

وكل دينار ينفق اليوم على بنية تحتية يفترض أن تعيش عقودًا يجب أن يحمل في داخله سؤالًا بسيطًا:

كيف سيكون الخليج عندما يصل هذا المشروع إلى منتصف عمره؟

لا تبحثوا عن الخريطة السرية

وهنا نعود إلى الصورة التي بدأت منها الحكاية.

كتاب أحمر.

خريطة غريبة.

حديث عن فيضان عالمي.

مليارديرات يشترون الأراضي.

وملاجئ تحت الأرض.

من السهل جمع هذه العناصر وصناعة قصة مذهلة تقول:

«إنهم يعرفون ما سيحدث.»

لكن الحقيقة أكثر تعقيدًا.

لا توجد أمامنا أدلة موثوقة على «خريطة سرية» يعرف أصحاب المليارات من خلالها المناطق التي ستغرق.

لكن المفارقة أن العالم لا يحتاج أصلًا إلى خريطة سرية لكي يشعر بالقلق.

المعلومات الأساسية منشورة أمام الجميع.

نعرف أن مستوى البحر يرتفع.

ونعرف أن المناخ يتغير.

ونعرف أن العالم يتنافس على الطاقة والمعادن والتكنولوجيا.

ونعرف أن القوى الكبرى تعيد ترتيب سلاسل إمدادها.

ونعرف أن بعض الأثرياء يشترون لأنفسهم هامشًا إضافيًا من الأمان.

ونعرف أن الدول بدأت تنفق مبالغ ضخمة على التكيف والتحول في الطاقة.

الخريطة ليست سرية.

إنها تتشكل أمام أعيننا.

لعل أهم ما يمكن أن نأخذه من كتاب «الخريطة الجديدة» ليس توقعًا محددًا للمستقبل، وإنما طريقة للنظر إليه.

فالخريطة القادمة لن يرسمها البحر وحده.

ولن يرسمها النفط وحده.

ولن ترسمها الولايات المتحدة أو الصين وحدهما.

سيرسمها التقاء الطاقة بالمناخ، والمياه بالغذاء، والتكنولوجيا بالاقتصاد، والجغرافيا بالأمن، ورأس المال بالخوف، والقرار السياسي بالمستقبل.

وعندها يصبح السؤال بالنسبة إلى الكويت والخليج مختلفًا تمامًا.

ليس:

هل ستغرق مدننا؟

ولا:

هل يعرف المليارديرات موعد الكارثة؟

بل:

إذا كان العالم يتغير بالفعل، فهل نبني اليوم ما يجعلنا أقوى عندما تكتمل ملامح خريطته الجديدة؟

فالخطر الأكبر ربما ليس أن يرتفع البحر نصف متر أو مترًا.

الخطر الأكبر أن يرتفع العالم من حولنا إلى مرحلة جديدة… بينما نبقى نحن نخطط وفق خريطة قديمة.

وهذه هي المسألة التي تستحق أن نتوقف عندها.

لأن خريطة المستقبل لم تُرسم بعد بالكامل…
لكن القلم أصبح على الورق.

اقرأ أيضًا:

الكويت تطور مركز أمان لإدارة الأزمات بالاستفادة من التجربة البريطانية

الاكثر قراءة

اشترك معنا

برعايـــة

حقوق النشر محفوظة لـ أخبار الكويت © 2025
تم تصميمه و تطويره بواسطة

www.enogeek.com