أحدث حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD) تحولاً سياسياً لافتاً في المشهد الألماني، بعدما حقق فوزاً تاريخياً في انتخابات ولاية ساكسونيا-أنهالت شرقي البلاد، التي جرت الأحد 6 سبتمبر 2026، مسجلاً أفضل نتيجة له على الإطلاق في انتخابات إحدى الولايات الألمانية.
وأظهرت النتائج المتقدمة لعملية الفرز حصول الحزب على نحو 44% من الأصوات، بعدما كان قد حصل على 20.8% فقط في انتخابات الولاية عام 2021، ما يعني أنه ضاعف تقريباً قاعدته الانتخابية خلال خمس سنوات. وأكدت وكالة رويترز أن النتيجة تمثل انتصاراً تاريخياً للحزب، رغم أنه بقي دون الأغلبية التي تسمح له بالحكم منفرداً.
في المقابل، تعرض الاتحاد الديمقراطي المسيحي (CDU)، حزب المستشار الألماني فريدريش ميرتس، لهزيمة ثقيلة، إذ تراجع إلى نحو 17% مقارنة بـ37.1% في انتخابات 2021، وهي نتيجة تزيد الضغوط السياسية على المستشار وحكومته الاتحادية.
وتشير النتائج المتقدمة إلى حصول الحزب الاشتراكي الديمقراطي SPD على نحو 9.2%، والخضر على 8.9%، وحزب اليسار على نحو 8.5%، فيما دار تحالف BSW حول عتبة الـ5% اللازمة لدخول البرلمان، بينما بقي الحزب الديمقراطي الحر FDP خارج البرلمان بنحو 2.5%.
انتصار كبير.. لكن هل يستطيع AfD الحكم؟
هنا تكمن المفارقة الأساسية في الانتخابات.
فالفوز بنحو 44% لا يعني تلقائياً أن AfD سيقود حكومة الولاية. الحزب لم يضمن الأغلبية المطلقة للمقاعد، فيما تتمسك الأحزاب الألمانية الرئيسية، وعلى رأسها CDU، برفض التعاون معه أو الدخول في ائتلاف حكومي معه.
وبذلك قد تجد ساكسونيا-أنهالت نفسها أمام مفاوضات سياسية معقدة للغاية: الحزب الفائز بفارق هائل قد يبقى خارج الحكومة، بينما تحاول الأحزاب التي هُزمت انتخابياً تجميع أغلبية برلمانية بديلة.
وقال مرشح AfD لرئاسة حكومة الولاية أولريش زيغموند إنه سيمد يده إلى القوى المستعدة للعمل معه من أجل إحداث ما وصفه بتحول سياسي جذري، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى عدم وجود شريك ائتلافي واضح أمام الحزب حالياً.
لماذا تعتبر النتيجة أخطر من مجرد انتخابات محلية؟
ساكسونيا-أنهالت ليست من أكبر الولايات الألمانية من حيث السكان أو القوة الاقتصادية، لكن أهمية الانتخابات تكمن في حجم التحول الانتخابي.
فالحزب الذي كان يحصل على نحو خُمس الأصوات قبل خمس سنوات أصبح يحصد اليوم أكثر من أربعة أصوات من كل عشرة تقريباً.
والأكثر إزعاجاً للأحزاب التقليدية أن AfD لم يعد مجرد حزب احتجاج صغير على أطراف النظام السياسي، بل أصبح قوة انتخابية قادرة على منافسة الأحزاب التي حكمت ألمانيا لعقود.
رويترز اعتبرت الانتخابات اختباراً مهماً للمشهد السياسي الألماني، خصوصاً مع تراجع شعبية الائتلاف الحاكم على المستوى الاتحادي وتزايد الانقسام داخل المجتمع الألماني.
الهجرة والاقتصاد في قلب المعركة
جاء صعود AfD على خلفية ملفات متداخلة، أبرزها الهجرة واللجوء وتكاليف المعيشة والاقتصاد والطاقة والأمن، إلى جانب شعور شريحة من الناخبين في شرق ألمانيا بأن الأحزاب التقليدية لم تعد تعبر عن أولوياتهم.
ويطالب AfD بتشديد كبير في سياسات الهجرة واللجوء وتسريع ترحيل من لا يملكون حق الإقامة، كما يدعو إلى تحول واسع في سياسة الهجرة الألمانية.
وهناك كذلك عامل السياسة الخارجية. ففي الولايات الشرقية الألمانية توجد حساسية خاصة تجاه العلاقة مع روسيا والحرب في أوكرانيا، فيما يتبنى AfD مواقف تختلف بصورة واضحة عن التيار السياسي الألماني الرئيسي تجاه موسكو والعقوبات والدعم العسكري لأوكرانيا.
ضربة لميرتس
أما على المستوى الاتحادي، فإن الخاسر السياسي الأكبر قد يكون المستشار فريدريش ميرتس.
فالـCDU لم يخسر المركز الأول فحسب، وإنما أصبحت المسافة بينه وبين AfD هائلة في الولاية: نحو 44% مقابل 17%.
وهذا يضع قيادة الحزب المحافظ أمام سؤال صعب: كيف يمكن استعادة الناخبين الذين انتقلوا إلى AfD من دون تبني سياسات الحزب نفسه؟ وفي الوقت ذاته، كيف يمكن الاستمرار في سياسة عزل AfD سياسياً إذا أصبح الحزب القوة الأولى في المزيد من الولايات؟
رويترز أشارت قبل الانتخابات إلى أن رئيس حكومة الولاية عن CDU وصف التصويت بأنه قرار يمكن أن يرسم مسار ألمانيا، وهو توصيف تبدو دلالاته أكثر وضوحاً بعد ظهور النتائج.
هل بدأ تغيير الخريطة السياسية الألمانية؟
النتيجة لا تعني أن AfD أصبح قريباً تلقائياً من حكم ألمانيا على المستوى الاتحادي، كما لا يجوز إسقاط نتيجة ولاية شرقية واحدة مباشرة على البلاد بأكملها.
لكن تجاهل الرسالة الانتخابية سيكون صعباً.
فإذا تكررت هذه الاتجاهات في انتخابات ولايات أخرى، فقد تجد ألمانيا نفسها أمام إعادة تشكيل تدريجية لنظامها الحزبي: تراجع الأحزاب التقليدية، وصعود AfD، وتزايد صعوبة بناء الحكومات والائتلافات من دون إشراك الحزب أو تشكيل تحالفات واسعة هدفها الأساسي إبقاءه خارج السلطة.
وتزداد أهمية ذلك لأن ألمانيا، أكبر اقتصاد في أوروبا، تلعب دوراً محورياً في ملفات الدفاع الأوروبي، وأوكرانيا وروسيا، والهجرة، والعلاقة عبر الأطلسي. وبالتالي فإن أي تحول عميق في المزاج السياسي الألماني يمكن أن تتجاوز انعكاساته حدود برلين إلى الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي.
ما بعد 44%
الرسالة التي خرجت من صناديق ساكسونيا-أنهالت لا تتعلق فقط بمن سيجلس في مكتب رئيس حكومة الولاية.
السؤال الأكبر هو: هل كانت انتخابات 6 سبتمبر حالة خاصة بشرق ألمانيا، أم أنها بداية انتقال AfD من حزب احتجاجي كبير إلى قوة قادرة على إعادة صياغة قواعد اللعبة السياسية الألمانية؟
الإجابة لن تتضح من ساكسونيا-أنهالت وحدها. لكن نتيجة تقارب 44% تجعل من الصعب على برلين والعواصم الأوروبية التعامل مع صعود الحزب باعتباره ظاهرة انتخابية عابرة.
فالتحول الأهم الذي أظهرته الانتخابات ربما لا يكون أن AfD فاز بولاية ألمانية، بل أن الحاجز الذي كان يفصل بينه وبين الأحزاب التقليدية اتسع لمصلحته بصورة غير مسبوقة.
اقرأ أيضًا:
شي يتجه إلى واشنطن بوفد اقتصادي كبير وسط تحولات في العلاقة بين الصين وأمريكا

