لم يعد السؤال اليوم ما إذا كان أطفالنا يستخدمون وسائل التواصل الاجتماعي، بل: من يحميهم وهم يستخدمونها؟
فالطفل العربي الذي يحمل هاتفاً ذكياً بين يديه لا يدخل إلى عالم افتراضي بسيط، وإنما إلى منظومة ضخمة من الخوارزميات والإعلانات والمحتوى والمؤثرين والرسائل والصور ومقاطع الفيديو، صُممت في جزء كبير منها لجذب الانتباه وإبقاء المستخدم أطول فترة ممكنة أمام الشاشة.
ومع تزايد المخاوف عالمياً بشأن تأثير هذه المنصات على الأطفال والمراهقين، بدأت شركات التكنولوجيا نفسها تتخذ إجراءات أكثر صرامة.
فقد وسّعت شركة «ميتا»، المالكة لفيسبوك وإنستغرام، نظام «حسابات المراهقين» Teen Accounts، الذي يفرض بصورة تلقائية مجموعة من القيود والحماية على المستخدمين دون سن الثامنة عشرة، مع حماية أشد لمن هم دون السادسة عشرة.
وتشمل الإجراءات جعل حسابات المراهقين أكثر خصوصية افتراضياً، وتقييد التواصل معهم، والحد من الوصول إلى أنواع من المحتوى غير المناسب لأعمارهم، وتفعيل تنبيهات الاستخدام بعد فترات طويلة أمام التطبيق، وتشغيل وضع النوم ليلاً، إلى جانب منح الوالدين أدوات رقابة وإشراف إضافية.
والسؤال الذي ينبغي طرحه عربياً هو:
إذا كانت الشركات التي صنعت هذه المنصات نفسها تعترف بالحاجة إلى حماية أكبر للمراهقين، فلماذا لا تتحول هذه الحماية إلى سياسة وتشريع واضحين في دولنا العربية؟
الكويت تستطيع أن تبدأ
الكويت تمتلك فرصة لتكون من الدول العربية السباقة في وضع إطار وطني متكامل لحماية الأطفال والمراهقين في البيئة الرقمية.
ولا يعني ذلك حظر التكنولوجيا أو عزل الجيل الجديد عن العالم، فذلك لم يعد واقعياً ولا مطلوباً.
المطلوب هو استخدام آمن يتناسب مع العمر.
يمكن أن تبدأ الفكرة من مبدأ بسيط: أن تكون الحسابات الرقمية للمستخدمين دون الثامنة عشرة خاضعة تلقائياً لأعلى درجات الخصوصية والحماية المناسبة للعمر، وألا يستطيع من هم دون السادسة عشرة تخفيف القيود الأساسية دون موافقة ولي الأمر.
ويجب كذلك دراسة إلزام المنصات الرقمية الكبرى التي تعمل داخل الكويت بتوفير أدوات تحقق مناسبة من العمر، وإعدادات خاصة بالمراهقين، ووسائل واضحة للرقابة الأبوية والإبلاغ عن المحتوى والحسابات التي تستهدف القاصرين بصورة غير مناسبة.
الخطر ليس في المحتوى فقط
من الخطأ اختزال القضية في الصور أو مقاطع الفيديو غير المناسبة.
الخطر أوسع بكثير.
فالطفل اليوم قد يتعرض خلال ساعات قليلة للتنمر الإلكتروني، والابتزاز، والاحتيال، والحسابات الوهمية، والرسائل من الغرباء، والمحتوى العنيف، والتحديات الخطرة، والإعلانات غير المناسبة لعمره، إضافة إلى أنماط تصميم رقمية تدفعه إلى الاستخدام المتكرر والمفرط.
وهناك قضية أخرى لا تقل أهمية: بيانات الطفل نفسه.
من يتابع اهتماماته؟ ومن يبني ملفاً رقمياً عنه؟ وكيف تستخدم بياناته في التوصيات والإعلانات؟ وكم من المعلومات التي ينشرها طفل في الثالثة عشرة أو الرابعة عشرة ستظل موجودة عنه بعد عشر سنوات؟
هذه أسئلة لم تعد تقنية فقط، وإنما أصبحت أسئلة أسرية واجتماعية وتشريعية.
لا نريد أن يكون الطفل العربي حقل تجارب للخوارزميات
من غير المقبول أن نضع قواعد صارمة لحماية الطفل في المدرسة والشارع والأسواق، ثم نترك الباب مفتوحاً أمام عالم رقمي يدخل إلى غرفة نومه على مدار الساعة.
القانون الذي يمنع بيع بعض المنتجات للقاصر انطلاقاً من حمايته يجب أن يمتد منطقه إلى الفضاء الرقمي أيضاً.
والشركة التي تستطيع معرفة اهتمامات المستخدم، والمكان التقريبي الذي يوجد فيه، ومقاطع الفيديو التي يشاهدها، والموضوعات التي يبحث عنها، قادرة تقنياً على تقديم تجربة أكثر أماناً للمستخدم الصغير.
ولهذا ينبغي ألا تكون حماية القاصر مجرد خيار تجاري تمنحه المنصة متى شاءت، بل حقاً رقمياً أصيلاً للطفل.
نحو «ميثاق عربي لحماية الطفل رقمياً»
المشكلة ليست كويتية وحدها.
فاللغة واحدة إلى حد كبير، والمنصات واحدة، والمحتوى يعبر الحدود خلال ثوانٍ.
ومن هنا، قد يكون الوقت مناسباً لأن تدفع الكويت، بالتعاون مع دول مجلس التعاون الخليجي والدول العربية، باتجاه ميثاق عربي لحماية الأطفال والمراهقين على المنصات الرقمية.
ميثاق يضع مبادئ موحدة لحماية القاصرين، ويطالب المنصات العالمية بتطبيق معايير واضحة داخل المنطقة العربية، ويضع قيوداً مناسبة على الإعلانات الموجهة للأطفال، ويعزز الخصوصية، ويحد من تواصل الغرباء مع القاصرين، ويمنح الأسرة أدوات حقيقية للإشراف، ويُلزم المنصات بالاستجابة السريعة عند الإبلاغ عن الابتزاز أو الاستغلال أو المحتوى الضار.
والأهم أن تكون هذه المعايير مبنية على الأدلة العلمية ومتوازنة مع حقوق الطفل في الخصوصية والتعلم والتواصل، حتى لا تتحول الحماية المطلوبة إلى مراقبة شاملة أو حرمان من فوائد العالم الرقمي.
الأسرة جزء من الحل.. لكنها لا تستطيع المواجهة وحدها
من السهل أن نقول للأب والأم: «راقبوا أبناءكم».
لكن الحقيقة أن الأسرة تواجه اليوم شركات تقنية عملاقة لديها خوارزميات وأنظمة توصية وفرق هندسية وبيانات هائلة.
لذلك لا يمكن تحميل الوالدين المسؤولية كاملة.
المسؤولية مشتركة بين الأسرة والمدرسة والدولة والمنصة الرقمية.
الأسرة تبني الوعي والثقة والحوار.
والمدرسة تعلم الثقافة والسلامة الرقمية.
والدولة تضع القانون.
أما المنصة، فعليها أن تتحمل مسؤولية المنتج الذي تقدمه عندما يكون مستخدمه طفلاً.
حماية الطفل ليست حرباً على التكنولوجيا
نحن لا نطالب بإغلاق فيسبوك أو إنستغرام أو تيك توك، ولا بإبعاد أطفالنا عن المستقبل.
بل نطالب بالعكس تماماً.
نريد جيلاً عربياً يستخدم التكنولوجيا ويتعلم منها ويبدع من خلالها، من دون أن يدفع ثمنها من طفولته وخصوصيته وأمانه.
لقد بدأت شركات التكنولوجيا نفسها تعترف بأن المراهق ليس مستخدماً عادياً وأن حسابه يحتاج إلى حماية مختلفة عن حساب البالغ.
وهنا يجب أن تتحرك حكوماتنا.
ولتكن الكويت من أوائل الدول التي تفتح هذا الملف بصورة مؤسسية، وتدرس إنشاء إطار وطني متكامل لسلامة الأطفال الرقمية، ثم تحمل المبادرة إلى مجلس التعاون الخليجي وجامعة الدول العربية.
فالقوانين كثيراً ما تأتي بعد ظهور المشكلة.
أما في قضية أطفالنا، فلا ينبغي أن ننتظر حتى نحصي الأضرار.
الطفل الذي نحميه اليوم في العالم الرقمي هو المواطن الذي نأتمنه غداً على العالم الحقيقي.

