كشفت صور أقمار صناعية وتحليلات حديثة عن تصاعد أعمال البناء والتحصين في منشأة إيرانية شديدة العمق تحت جبل قرب مجمع نطنز النووي، في تطور يثير تساؤلات متزايدة حول طبيعة المنشأة وقدرة الأسلحة التقليدية على الوصول إلى بنيتها الداخلية المحفورة وسط الصخور.
وتقع المنشأة المعروفة باسم «جبل المعول» (Pickaxe Mountain) على مسافة تقارب كيلومترين من مجمع نطنز في محافظة أصفهان، وتضم شبكة من الأنفاق المحفورة داخل كتلة جبلية من الغرانيت.
وأظهر تحليل نشره مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية CSIS في 9 سبتمبر 2026، مستنداً إلى صور أقمار صناعية تغطي نحو ست سنوات، ارتفاعاً واضحاً في وتيرة النشاط في الموقع خلال العام الجاري، شمل تعزيز مداخل الأنفاق ورصف الطرق الداخلية وتقوية مناطق الوصول وإزالة كميات من نواتج الحفر. ويرى التحليل أن هذه المؤشرات قد تعكس انتقال المشروع من عمليات الحفر الواسعة إلى مرحلة مختلفة من أعمال الإنشاء داخل المجمع الجبلي.
ما العمق الحقيقي للمنشأة؟
تمثل هذه النقطة أحد أكبر الألغاز المحيطة بالموقع.
فالتقديرات المنشورة تشير إلى أن أجزاء رئيسية من المنشأة قد تكون محمية بعشرات الأمتار، وربما أكثر من 100 متر من الصخور، لكن لا توجد حتى الآن قياسات ميدانية مستقلة تحدد بصورة قاطعة العمق الأقصى لجميع الأنفاق والقاعات.
أما الرقم المتداول على بعض المنصات، والذي يتحدث عن وصول المنشأة إلى 804 أمتار تحت سطح الأرض، فلا توجد حتى الآن أدلة علنية موثوقة تثبت أن هذا هو العمق الرأسي الحقيقي للمنشأة.
ولهذا فإن التعامل الصحفي الأدق هو اعتبار 804 أمتار رقماً متداولاً غير مؤكد، وليس حقيقة هندسية مثبتة.
جبل من الغرانيت فوق المنشأة
الأهمية العسكرية والهندسية للموقع لا ترتبط بالعمق وحده، بل بطبيعة الجبل نفسه.
فالمنشأة موجودة داخل كتلة جبلية صخرية، وهو ما يوفر طبقة طبيعية ضخمة من الحماية فوق الأنفاق والمنشآت الداخلية.
ويرى تحليل CSIS أن طبيعة الموقع قد تجعل التدمير الكامل للمنشأة تحدياً حتى بالنسبة للذخائر التقليدية الأميركية الثقيلة المخصصة لاختراق المنشآت المحصنة، ومن بينها قنبلة GBU-57 Massive Ordnance Penetrator.
وهنا تظهر معادلة جديدة: فكلما انتقلت المنشآت الحساسة إلى أعماق أكبر داخل الجبال، أصبحت عملية الوصول إليها أكثر تعقيداً، ولم يعد حجم القنبلة وحده العامل الحاسم، بل سمك الصخور وطبيعتها وتصميم الأنفاق ومداخلها وتوزيع القاعات الداخلية.
ماذا يوجد داخل الجبل؟
حتى الآن، لا توجد إجابة مستقلة حاسمة عن هذا السؤال.
صور الأقمار الصناعية تستطيع رصد الطرق والمداخل وأعمال البناء وحركة المركبات ونواتج الحفر، لكنها لا تستطيع رؤية ما يجري داخل الأنفاق.
كما أن تحليل CSIS شدد على أن الصور المتاحة لا تثبت أن الموقع أصبح منشأة جاهزة لتخصيب اليورانيوم، ولا تستطيع بمفردها إثبات وجود أجهزة طرد مركزي داخل المجمع.
وهذا يجعل الغموض المحيط بوظيفة المنشأة لا يقل أهمية عن عمقها.
نشاط متسارع خلال 2026
وتظهر المقارنة بين صور الأقمار الصناعية خلال السنوات الماضية أن المشروع لم يتوقف عند مرحلة حفر الأنفاق.
فخلال عام 2026 ظهرت أعمال إضافية حول المداخل وشبكة الطرق والبنية المحيطة بالموقع، فيما وصف تحليل CSIS مستوى النشاط على طرق المجمع بأنه الأعلى الذي رصده خلال فترة الدراسة.
وتكتسب هذه التحركات أهمية لأن إيران كانت قد أعلنت، بعد حادث التخريب الذي أصاب منشأة لتجميع أجهزة الطرد المركزي في نطنز عام 2020، عزمها إنشاء منشأة بديلة أكثر أماناً داخل الجبال المحيطة.
طهران: برنامجنا سلمي
وتؤكد إيران باستمرار أن برنامجها النووي مخصص للأغراض السلمية، وترفض الاتهامات المتعلقة بالسعي إلى إنتاج سلاح نووي.
وفي المقابل، فإن عدم وضوح طبيعة الأنشطة داخل المنشأة الجبلية واستمرار عمليات البناء والتحصين يجعل الموقع محل اهتمام دولي متزايد.
والفصل بين الأمرين ضروري: وجود منشأة شديدة التحصين تحت الأرض حقيقة تدعمها صور الأقمار الصناعية، أما طبيعة جميع الأنشطة التي ستجري داخلها فلا تزال غير مثبتة بصورة مستقلة.
تحدٍ جديد أمام الرقابة الدولية
وتبرز قضية أخرى لا تقل أهمية عن القدرة العسكرية على اختراق الجبل، وهي قدرة الوكالة الدولية للطاقة الذرية على التحقق مما يحدث داخله.
فالأقمار الصناعية تستطيع متابعة التغيرات الخارجية، لكن تحديد طبيعة المواد والمعدات والأنشطة داخل الأنفاق يتطلب مستوى مختلفاً من الوصول والتحقق.
ولهذا فإن القضية لم تعد تتعلق بالسؤال: «كم يبلغ عمق المنشأة؟» فقط، وإنما بالسؤال الأكثر حساسية:
ماذا يوجد في هذا العمق؟
المنشآت النووية تدخل عصر «الجبال»
وتكشف التطورات في نطنز عن تحول هندسي واستراتيجي مهم في حماية المنشآت الحساسة.
فالمنشآت الموجودة فوق سطح الأرض يمكن مراقبتها واستهدافها بصورة أسهل نسبياً، أما إنشاء شبكة من الأنفاق والقاعات داخل كتلة جبلية ضخمة فيغير المعادلة بصورة كبيرة.
وفي هذه الحالة يصبح الجبل نفسه جزءاً من منظومة الدفاع عن المنشأة.
وحتى في حال استهداف المداخل أو طرق الوصول، فإن ذلك لا يعني بالضرورة تدمير جميع المنشآت الموجودة في أعماق الجبل، خصوصاً إذا كانت شبكة الأنفاق مصممة بمداخل متعددة وقاعات منفصلة وحواجز داخلية.
الرقم قد لا يكون القصة الأهم
ورغم الجدل الذي أثاره الرقم المتداول عن وصول العمق إلى 804 أمتار، فإن الأدلة العلنية المتاحة لا تسمح بتأكيده.
لكن ما هو مثبت بالفعل قد يكون أكثر أهمية من الرقم نفسه: إيران تبني وتحصّن منشأة كبيرة داخل جبل قرب أحد أهم مراكز برنامجها النووي، والأعمال في الموقع تسارعت خلال 2026، بينما لا يزال ما يجري داخل الأنفاق بعيداً عن الرؤية العلنية.
وهذا التطور يضع المجتمع الدولي أمام معادلة أكثر تعقيداً؛ إذ لم يعد التحدي مقتصراً على مراقبة البرنامج النووي الإيراني، وإنما يمتد إلى كيفية مراقبة منشآت يجري نقلها بصورة متزايدة إلى أعماق الجبال، وكيف يمكن التحقق مما يحدث داخلها.
وبينما تظل حقيقة «804 أمتار» بحاجة إلى دليل مستقل، فإن «جبل المعول» أصبح بالفعل نموذجاً لمرحلة جديدة من التحصين العميق، قد تغير حسابات التعامل مع المنشآت النووية تحت الأرض في السنوات المقبلة.
اقرأ أيضًا:
أوروبا تعيد صياغة عقيدتها.. فون دير لاين تعلن مرحلة «الاستقلال والقوة» في مواجهة عالم أكثر اضطراباً

