السبت - 2026/09/19 9:53:29 صباحًا

NE

News Elementor

هذا الموقع بــرعاية

أوروبا تعيد صياغة عقيدتها.. فون دير لاين تعلن مرحلة «الاستقلال والقوة» في مواجهة عالم أكثر اضطراباً

رسمت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين ملامح مرحلة جديدة في مسيرة الاتحاد الأوروبي، خلال خطاب «حالة الاتحاد» لعام 2026 الذي ألقته أمام البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ في 16 سبتمبر، واضعة الأمن والدفاع والاستقلال الاقتصادي والتكنولوجي وحماية الحدود في صدارة الأولويات، ومعلنة في الوقت نفسه مبادرات جديدة تتعلق بأوكرانيا وغزة والذكاء الاصطناعي والهجرة والتجارة والشراكات الدولية.

ويكتسب الخطاب أهمية خاصة بسبب إعلان فون دير لاين صراحة أن «عقيدتنا ومؤسساتنا وآليات اتخاذ القرار لم تواكب الواقع الجديد»، وهي عبارة تعكس مراجعة داخلية لطريقة تعامل الاتحاد مع بيئة دولية ترى بروكسل أنها أصبحت أكثر خطورة وأقل قابلية للاعتماد حصراً على القواعد والمؤسسات الدولية التي استند إليها المشروع الأوروبي لعقود.

أبرز ما كشفه الخطاب هو انتقال التفكير الأوروبي من التركيز التقليدي على القوة الاقتصادية والدبلوماسية والتوافق الداخلي إلى مفهوم أوسع للأمن، يجمع بين الدفاع العسكري والأمن الاقتصادي والتكنولوجيا والطاقة وسلاسل الإمداد والذكاء الاصطناعي وحماية الحدود.

وقالت فون دير لاين إن النظام الدولي القائم على القواعد يواجه تصدعات متزايدة، مؤكدة أن الاتحاد سيواصل الدفاع عنه، لكنه لم يعد يستطيع الاعتماد عليه باعتباره الوسيلة الوحيدة لحماية مصالحه أو افتراض أن قواعده كافية لحماية أوروبا من التهديدات الجديدة.

وهنا تكمن إحدى أهم رسائل الخطاب: أوروبا لا تعلن التخلي عن تحالفاتها، لكنها تسعى إلى امتلاك قدرة أكبر على حماية مصالحها بنفسها عندما تتعرض منظومة التحالفات أو النظام الدولي لضغوط.

«مادة رابعة أوروبية» لمواجهة التهديدات

وفي واحد من أبرز المقترحات الأمنية، أعلنت فون دير لاين أنها ستعمل مع الممثلة العليا للاتحاد للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية على إعداد استراتيجية أمنية أوروبية جديدة.

واقترحت إنشاء ما وصفته بـ«المادة الرابعة الأوروبية»، أو بروتوكول أوروبي للأمن في حالات الطوارئ، للتعامل خصوصاً مع التهديدات التي تقع دون مستوى الهجوم العسكري التقليدي ولكنها تمس الأمن القومي للدول الأعضاء.

وبموجب التصور الذي عرضته، تستطيع دولة عضو تفعيل البروتوكول، وعندها تجتمع الدول الأعضاء لتنسيق الرد الأوروبي وردع المزيد من التصعيد والحد من آثار الهجوم.

ويأتي الاقتراح في ظل ما تعتبره بروكسل تصاعداً للهجمات السيبرانية وأعمال التخريب والحرائق المتعمدة واختراقات الطائرات المسيّرة وغيرها من صور «الحرب الهجينة».

واتهمت فون دير لاين روسيا بالوقوف وراء أنشطة وعمليات على الأراضي الأوروبية، في سياق حديثها عن الحوادث الأخيرة. وهذه اتهامات صادرة عن رئيسة المفوضية الأوروبية وينبغي التمييز بينها وبين نتائج التحقيقات القضائية المستقلة في كل واقعة.

وذهبت رئيسة المفوضية أبعد من ذلك، معلنة أن بروكسل ستقدم أفكاراً لتحويل مشروع «مجلس الأمن الأوروبي» إلى واقع.

وتحدثت عن صيغة أمنية على مستوى القادة لا تقتصر بالضرورة على الدول الأعضاء في الاتحاد، بل يمكن أن تضم شركاء مثل المملكة المتحدة وكندا والنرويج وأوكرانيا ودول أخرى.

ولا يعني ذلك، وفق الخطاب، إنشاء بديل لحلف شمال الأطلسي «الناتو». فقد أكدت فون دير لاين في الوقت نفسه تعزيز التعاون مع الحلف، وربطت الأدوات الدفاعية الأوروبية الجديدة بالتوافق معه.

وبذلك يبدو الاتجاه المطروح أقرب إلى بناء ركيزة أوروبية أمنية أقوى داخل المنظومة الأطلسية وحولها، وليس إعلان الانفصال عنها.

الدفاع عن «كل متر مربع»

وفي رسالة ردع مباشرة، أكدت فون دير لاين أن أوروبا ستدافع عن «كل متر مربع» من أراضيها.

وأعلنت إنشاء أداة أوروبية جديدة للقدرات الاستراتيجية، تستهدف تطوير الإمكانات التي تحتاج إليها أي منظومة دفاعية حديثة، ومن بينها الدفاع الجوي والصاروخي والنقل العسكري الاستراتيجي والتزود بالوقود جواً والقدرات الفضائية والأمن السيبراني.

وقالت إن ارتفاع الإنفاق الدفاعي أدى بالفعل إلى مستويات قياسية من الاستثمار في القوات والقدرات الأوروبية وإطلاق مشروعات مشتركة، داعية إلى الانتقال بهذه السياسة إلى مستوى أعلى.

أوكرانيا في قلب الأمن الأوروبي

وظلت الحرب في أوكرانيا محوراً رئيسياً في الخطاب. وربطت رئيسة المفوضية بين مستقبل أوكرانيا وبين الأمن الأوروبي الأوسع، معتبرة أن الحرب الروسية لا تزال تشكل أحد التهديدات المركزية للسلام في القارة.

وجاء الحديث عن أوكرانيا ضمن تصور أوسع يرى أن الحروب الحديثة لا تقتصر على الجبهات العسكرية، بل تشمل الهجمات الإلكترونية والطائرات المسيّرة والتخريب والبنية التحتية والطاقة والمعلومات.

وبذلك وضع الخطاب الحرب الأوكرانية في قلب عملية إعادة بناء القدرات الدفاعية والأمنية الأوروبية، وليس باعتبارها أزمة خارج حدود الاتحاد فحسب.

وحظي الشرق الأوسط بحضور واضح في الخطاب.

وأكدت فون دير لاين دعم أوروبا لحق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، لكنها شددت في المقابل على أن الشعب الفلسطيني لديه حق مماثل في العيش بأمن وكرامة.

كما أكدت استمرار التمسك بحل الدولتين، وقالت إن على أوروبا المحافظة على إمكانية تحقيق هذا الحل.

وأشارت إلى أن الجهود المشتركة أسفرت عن تعهدات تقارب مليار يورو للمساهمة في إعادة إعمار غزة ودعم سلطة فلسطينية حديثة.

وبالتالي لم يعلن الخطاب تغييراً أوروبياً يقوم على التخلي عن إسرائيل، بل حافظ على الجمع بين أمن إسرائيل والحقوق الفلسطينية وحل الدولتين باعتبارها عناصر للسياسة الأوروبية المعلنة.

الذكاء الاصطناعي يتحول إلى قضية أمن قومي

ومن أبرز أجزاء الخطاب أيضاً انتقال الذكاء الاصطناعي من ملف اقتصادي وتنظيمي إلى مكون من مكونات الأمن والسيادة الأوروبية.

وحذرت فون دير لاين من أن تطور النماذج المتقدمة قد يوفر قدرات إلكترونية خطرة، وتحدثت عن مخاطر مرتبطة بالنماذج القادرة على تحسين نفسها بصورة متزايدة.

وأكدت أن قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي يشكل جزءاً من منظومة الضوابط، لكنها قالت إن أوروبا تحتاج أيضاً إلى قدراتها الخاصة، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بالأمن القومي.

ولهذا دعت إلى زيادة كبيرة في قدرات الحوسبة الأوروبية، وإلى التعاون مع بريطانيا وكندا وشركاء آخرين في تقييم النماذج والتحقق منها والإنذار المبكر وأمن الذكاء الاصطناعي.

والرسالة هنا تتجاوز تنظيم التكنولوجيا: أوروبا تريد ألا يصبح اعتمادها على منصات وتقنيات أجنبية نقطة ضعف استراتيجية.

الاقتصاد وسلاسل الإمداد.. الأمن لم يعد عسكرياً فقط

وتكشف مجمل أجزاء الخطاب عن توسيع مفهوم «الأمن» ليشمل الاقتصاد والصناعة والمواد الخام والطاقة والبطاريات والتكنولوجيا المتقدمة وسلاسل التوريد.

وتحدثت فون دير لاين عن بناء تحالفات دولية قادرة على تعزيز المرونة والأمن الاقتصادي الأوروبيين.

وأشارت إلى أن الاتحاد وقع خلال العام اتفاقات تجارة حرة مع الهند وميركوسور والمكسيك وأستراليا وإندونيسيا، وأن لديه اتفاقات تجارية مع أكثر من 80 دولة.

كما أعلنت مشروعاً دولياً جديداً للربط عبر الممر الأوسط بين جنوب القوقاز وآسيا الوسطى والسوق الأوروبية، مع استهداف حشد استثمارات عامة وخاصة تصل إلى 12 مليار يورو، بهدف تنويع طرق النقل ومضاعفة التدفقات التجارية ثلاث مرات وتقليص أوقات الشحن بحلول 2030.

وكان حضور رئيس الوزراء الكندي مارك كارني في الخطاب ذا دلالة سياسية واضحة.

فقد أعلنت فون دير لاين الرغبة في نقل العلاقة بين الاتحاد وكندا من اتفاقية التجارة الحرة الحالية إلى ما وصفته بـ*«تحالف من أجل المستقبل»* يشمل التصنيع والتكنولوجيا والصناعات الدفاعية والطاقة والمعادن الحيوية والبطاريات والذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية والأمن السيبراني والأمن الاقتصادي.

وذهبت إلى طرح العمل على فتح الباب أمام كندا لتصبح أول عضو منتسب إلى الاتحاد الأوروبي، وهو طرح سياسي ومؤسسي لافت سيحتاج، بطبيعة الحال، إلى مسارات قانونية وسياسية قبل أن يتحول إلى واقع.

تشديد الحدود والهجرة

وفي ملف الهجرة، اتخذ الخطاب نبرة أكثر تشدداً بشأن حماية الحدود الخارجية للاتحاد.

وقالت فون دير لاين إن حالات الوصول غير النظامي انخفضت بنسبة 55 في المئة خلال العامين الماضيين، مع انخفاض إضافي بنسبة 35 في المئة خلال العام الجاري، وفق الأرقام التي عرضتها في الخطاب.

لكنها اعتبرت أن الأحداث الأخيرة أظهرت ضرورة تطوير أدوات التعامل مع الحالات التي يجري فيها استخدام الهجرة بصورة منظمة للضغط على الحدود الأوروبية.

ولهذا أعلنت اعتزام المفوضية اقتراح إطار أوروبي جديد للاستجابة للطوارئ، يسمح في حالات محددة ولفترات زمنية محدودة بمرونة في بعض الإجراءات المعتادة.

كما دعت إلى تعزيز وكالة حماية الحدود الأوروبية «فرونتكس»، وتسريع عمليات الإعادة وتحسين أنظمة الإنذار المبكر والعمل مع دول ثالثة.

وفي الوقت نفسه، أعلنت مبادرة متوسطية جديدة للمهارات وفرص العمل للشباب، في محاولة لمعالجة بعض الأسباب الاقتصادية والاجتماعية للهجرة غير النظامية.

حرب المعلومات تدخل قاموس الأمن الأوروبي

وتوقف الخطاب كذلك عند التضليل الإعلامي والتدخل الخارجي ومقاطع الفيديو المزيفة بالذكاء الاصطناعي.

واستخدمت فون دير لاين تعبير «الحرب الإدراكية» لوصف محاولات التأثير في الرأي العام والثقة بالمؤسسات والانتخابات.

وقالت إن الاتحاد سيعزز قدراته المشتركة على التوقع والكشف والاستجابة، مستنداً إلى «مركز المرونة الديمقراطية» والتعاون بين المؤسسات والدول الأعضاء.

وهذا يعني أن حماية المجال المعلوماتي باتت تُعامل في الخطاب الأوروبي باعتبارها جزءاً من الأمن القومي والقاري، وليست مجرد قضية إعلامية.

ما المقصود بتغيير «العقيدة الأوروبية»؟

الخطاب لا يتضمن إعلان «عقيدة» رسمية جديدة بهذا الاسم، لكن العبارة التي استخدمتها فون دير لاين بشأن عدم مواكبة العقيدة والمؤسسات وآليات اتخاذ القرار للواقع الجديد تكتسب أهمية خاصة.

ويمكن قراءة الاتجاه الذي عرضه الخطاب بوصفه انتقالاً من نموذج يقوم بدرجة كبيرة على التوافق والقوة الاقتصادية والقانون الدولي والترابط التجاري والمظلة الأمنية الأطلسية، إلى نموذج يسعى إلى إضافة عناصر الردع والقدرة الدفاعية والاستقلال التكنولوجي والأمن الاقتصادي والمرونة في اتخاذ القرار وحماية الحدود.

لكن هذا التحول لا يعني، وفق ما ورد في الخطاب، تخلي الاتحاد عن الناتو أو الولايات المتحدة أو النظام الدولي القائم على القواعد. بل أكدت فون دير لاين تعزيز العمل مع الناتو وجعل الأدوات الدفاعية الجديدة متوافقة معه.

وبالتالي فإن التعبير الأدق عن الاتجاه الجديد هو زيادة قدرة أوروبا على العمل وحماية مصالحها بنفسها، مع استمرار تحالفاتها القائمة.

خطاب يتجاوز أوروبا

وتحمل هذه التحولات انعكاسات محتملة خارج القارة الأوروبية، بما في ذلك منطقة الخليج.

فأوروبا التي تسعى إلى تنويع مصادر الطاقة وسلاسل الإمداد وتأمين طرق التجارة والمعادن الاستراتيجية وتوسيع شبكة شراكاتها الاقتصادية والأمنية ستكون أمام حاجة أكبر إلى بناء علاقات مع مناطق خارج مراكز القوى التقليدية.

ومن هذه الزاوية، يمكن لدول مجلس التعاون الخليجي أن تكتسب أهمية إضافية في الحسابات الأوروبية في مجالات الطاقة والاستثمار والتجارة والممرات اللوجستية والتكنولوجيا والأمن الإقليمي، وإن كان الخطاب نفسه لم يعلن ترتيبات خليجية جديدة محددة في هذه المجالات.

أوروبا أمام اختبار التنفيذ

ويبقى الفارق كبيراً بين إعلان الرؤية وتحويلها إلى سياسة مكتملة. فعدد من المقترحات التي طرحتها فون دير لاين ومن بينها «المادة الرابعة الأوروبية» ومجلس الأمن الأوروبي والأداة الجديدة للقدرات الاستراتيجية والإطار الطارئ للحدود لا تزال مقترحات أو مبادرات تحتاج إلى إجراءات سياسية وتشريعية ومؤسسية قبل أن تصبح منظومة نافذة.

لكن الأهمية السياسية لخطاب 2026 تكمن في أن رئيسة المفوضية قالت بصورة مباشرة إن المؤسسات والعقيدة وآليات اتخاذ القرار التي صُممت لعالم سابق لم تعد بالضرورة كافية للعالم الحالي.

ومن هنا قد يُقرأ خطاب ستراسبورغ باعتباره مؤشراً على إعادة تعريف الدور الأوروبي: اتحاد تأسس بعد الحروب على فكرة السلام عبر التعاون والاقتصاد والقانون، لكنه يسعى الآن إلى إضافة القوة الدفاعية والأمن الاقتصادي والسيادة التكنولوجية إلى أدواته التقليدية.

وإذا تحولت المبادرات التي أعلنتها فون دير لاين إلى قرارات ومؤسسات وقدرات فعلية، فإن خطاب حالة الاتحاد لعام 2026 قد يشكل محطة بارزة في انتقال الاتحاد الأوروبي من مشروع يرتكز أساساً على القوة الاقتصادية والتنظيمية إلى قوة تسعى إلى امتلاك أدوات أكبر لحماية أمنها ومصالحها في نظام دولي متغير.

اقرأ أيضًا:

ترامب يلتقي ديلسي رودريجيز في نيويورك لأول مرة منذ إطاحة مادورو

الاكثر قراءة

اشترك معنا

برعايـــة

حقوق النشر محفوظة لـ أخبار الكويت © 2025
تم تصميمه و تطويره بواسطة

www.enogeek.com