أول اتصال مع رئيس الوزراء آندي بورنهام.. بكين تعرض توسيع التعاون في التكنولوجيا والتمويل والتعليم ولندن تطرح أوكرانيا وهونغ كونغ وحقوق الإنسان
فتح الرئيس الصيني شي جين بينغ باباً جديداً في العلاقات بين بكين ولندن، مؤكداً أن المصالح المشتركة بين الصين وبريطانيا «أكبر من الخلافات»، وذلك خلال اتصال هاتفي مع رئيس الوزراء البريطاني الجديد آندي بورنهام، في وقت يسعى فيه البلدان إلى إعادة صياغة علاقتهما على أساس أكثر براغماتية وسط تحولات متسارعة في الاقتصاد والسياسة الدوليين.
ويعد الاتصال، الذي جرى الثلاثاء بطلب من الجانب البريطاني وفق الرواية الصينية، أول اتصال معلن بين شي وبورنهام منذ تولي الأخير رئاسة الحكومة البريطانية.
وبحسب وزارة الخارجية الصينية ووكالة أنباء «شينخوا»، هنأ شي رئيس الوزراء البريطاني بتوليه منصبه، وقال إن الصين وبريطانيا شريكان استراتيجيان شاملان، وإن اختلاف النظامين الاجتماعيين والظروف الوطنية في البلدين لا يلغي حقيقة أن المصالح التي تجمعهما أكبر من نقاط الخلاف.
ودعا الرئيس الصيني البلدين إلى «الاحترام والثقة المتبادلين وتجاوز الخلافات والبحث عن أرضية مشتركة»، والعمل على توسيع نطاق التعاون الذي يحقق المنفعة للطرفين.
الصين تعرض فتح قطاعات جديدة أمام بريطانيا
وحمل الاتصال رسالة اقتصادية واضحة من بكين إلى لندن.
فقد أبلغ شي رئيس الوزراء البريطاني بأن الصين تعتزم خلال خطتها الخمسية الخامسة عشرة، التي تغطي الفترة من 2026 إلى 2030، زيادة انفتاح قطاعات التعليم والرعاية الصحية والتمويل أمام الخارج.
واعتبر الرئيس الصيني أن هذه المجالات توفر فرصاً واسعة للتعاون بين البلدين.
كما سلط الضوء على التكنولوجيا باعتبارها مجالاً استراتيجياً محتملاً للعلاقات الجديدة، مشيراً إلى أن الصين وبريطانيا قوتان مهمتان في العلوم والتكنولوجيا، وتمتلكان إمكانات كبيرة في التعليم والثقافة والرياضة.
ودعا الجانبين إلى تبني رؤية «منفتحة واستشرافية» وتعزيز التبادل والتعاون في مختلف المجالات.
رسالة صينية بشأن الاستثمارات
لكن شي وضع أيضاً ملفاً حساساً على طاولة رئيس الوزراء البريطاني.
فقد طالب لندن بأن توفر الحماية الكاملة لما وصفه بـ«الحقوق والمصالح المشروعة للمستثمرين الصينيين».
ولم يسم البيان الصيني قضية بعينها، إلا أن رويترز أشارت إلى أن الرسالة قد تكون مرتبطة بالجدل حول الاستثمارات الصينية في بريطانيا، ومن بينها التطورات المتعلقة بشركة «بريتيش ستيل» التي كانت مملوكة لمجموعة صينية قبل تدخل الدولة البريطانية.
وتكشف هذه النقطة أن بكين تريد أن يصاحب التحسن السياسي في العلاقات توفير ضمانات أكبر لرأس المال والشركات الصينية العاملة في السوق البريطانية.
تحالف من نوع آخر داخل النظام الدولي
ولم يقتصر حديث شي على الاقتصاد.
فقد أشار إلى أن الصين وبريطانيا عضوان دائمان في مجلس الأمن الدولي، ومن الاقتصادات العالمية الكبرى، وأن كليهما يدعم التعددية والتجارة المفتوحة والدور المركزي للأمم المتحدة.
ودعا إلى زيادة التنسيق بين البلدين داخل الأمم المتحدة ومجموعة العشرين ومنظمة التجارة العالمية.
وتحدث الرئيس الصيني عن ضرورة الدفع باتجاه «عالم متعدد الأقطاب يتسم بالمساواة والنظام»، وعولمة اقتصادية أكثر شمولاً.
وتكتسب هذه الرسالة أهمية خاصة في ظل التغيرات التي تشهدها منظومة التجارة العالمية وتصاعد الخلافات التجارية بين عدد من القوى الكبرى.
بورنهام: نريد إعادة العلاقات إلى أعلى مستوياتها
ومن جانبها، قدمت وكالة «شينخوا» وصحيفة «الشعب» الصينية رواية إيجابية بصورة لافتة لموقف رئيس الوزراء البريطاني.
ووفق الرواية الصينية، أبلغ بورنهام الرئيس شي بأنه يرغب في المحافظة على استمرارية سياسة بريطانيا تجاه الصين، والعمل على تطوير «شراكة استراتيجية طويلة الأمد ومستقرة» بين البلدين.
كما أعرب عن استعداد لندن لتعزيز الاتصالات رفيعة المستوى والتعاون في مختلف القطاعات والتبادل بين الشعبين.
والعبارة الأبرز التي أوردتها المصادر الصينية عن رئيس الوزراء البريطاني كانت رغبته في إعادة العلاقات الثنائية إلى «أعلى مستوى لها في التاريخ».
واستحضر بورنهام تجربته السابقة عمدةً لمانشستر، مشيراً إلى علاقاته الممتدة مع الصين، وزيارة شي جين بينغ إلى المدينة خلال زيارته الرسمية إلى بريطانيا عام 2015.
كما أكد، وفق البيان الصيني، أن موقف بريطانيا بشأن قضية تايوان «لم يتغير».
لكن الرواية البريطانية تكشف الجانب الآخر
غير أن البيان البريطاني وتغطية رويترز يكشفان جانباً آخر من المحادثة لم تركز عليه التغطية الصينية.
فقد قال مكتب رئيس الوزراء البريطاني إن الجانبين ناقشا أهمية «التعاون البراغماتي»، خصوصاً في المجالات المرتبطة بالنمو الاقتصادي وتحسين مستويات المعيشة في البلدين.
لكن بورنهام أكد في الوقت نفسه أنه سيتعامل مع بكين «بصراحة وبشكل بنّاء» بشأن الملفات التي تهم بريطانيا.
وأثار خلال الاتصال قضايا الأمن الداخلي، والحرب الروسية في أوكرانيا، وهونغ كونغ، وحقوق الإنسان، وقضايا قنصلية محددة ذات أهمية لبريطانيا.
وهنا يظهر الاختلاف الواضح بين الروايتين.
فالصين قدمت الاتصال باعتباره خطوة نحو توسيع الشراكة الاقتصادية والسياسية، بينما حرصت لندن على التأكيد أن تحسين العلاقات مع بكين لن يعني تجاهل نقاط الخلاف.
دفء جديد بعد سنوات من التوتر
ويأتي الاتصال في سياق تحسن تدريجي شهدته العلاقات الصينية – البريطانية خلال الأشهر الماضية.
وكان رئيس الوزراء البريطاني السابق كير ستارمر قد زار الصين في يناير الماضي، في زيارة ساهمت في إعادة تنشيط الحوار بين البلدين بعد سنوات من التوتر.
وأعقبت الزيارة خطوات اقتصادية وسياحية، بينها توسيع الصين نظام الدخول دون تأشيرة للبريطانيين وخفض الرسوم على بعض المنتجات البريطانية.
وترى رويترز أن التقارب بين بكين ولندن يعكس أيضاً مصلحة مشتركة في تنويع العلاقات التجارية في ظل الاحتكاكات المتزايدة مع واشنطن.
وهذه نقطة مهمة لفهم التحول الجاري.
فبريطانيا تبحث عن أسواق واستثمارات وفرص نمو جديدة، بينما تريد الصين منع تشكل جبهة اقتصادية غربية موحدة في مواجهتها والحفاظ على أبواب الاقتصادات الأوروبية مفتوحة أمام تجارتها واستثماراتها وتكنولوجيتها.
التكنولوجيا قد تصبح الاختبار الحقيقي
ورغم الحديث الواسع عن التجارة والتعليم والتمويل، فإن التكنولوجيا قد تصبح الاختبار الأكثر حساسية للعلاقة الجديدة.
فالصين تنظر إلى التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والاتصالات والصناعات المتقدمة باعتبارها ركائز أساسية لقوتها الاقتصادية المستقبلية.
وفي المقابل، تواجه الحكومات الغربية ضغوطاً متزايدة للموازنة بين الاستفادة من السوق والاستثمارات الصينية وبين المخاوف المتعلقة بالأمن القومي وحماية التكنولوجيا والبنية التحتية الحساسة.
ولهذا فإن دعوة شي إلى «رؤية منفتحة واستشرافية» في التعاون التكنولوجي تحمل بعداً يتجاوز المجاملات الدبلوماسية.
إنها دعوة لبريطانيا كي تحدد إلى أي مدى تريد أن تنخرط اقتصادياً وتكنولوجياً مع الصين في مرحلة يعاد فيها رسم حدود العلاقة بين بكين والغرب.
بكين ولندن تبحثان عن مساحة مشتركة
لا يعني الاتصال أن الخلافات بين البلدين انتهت.
فهونغ كونغ وحقوق الإنسان وأوكرانيا والأمن والاستثمارات الصينية ستظل ملفات حساسة، كما أن علاقات بريطانيا الاستراتيجية مع الولايات المتحدة تضع حدوداً لمدى التقارب الممكن مع بكين.
لكن أهمية الاتصال تكمن في أن الطرفين يبدوان راغبين في إدارة هذه الخلافات دون السماح لها بابتلاع بقية العلاقة.
الصين تعرض السوق والاستثمار والتكنولوجيا والتجارة المفتوحة.
وبريطانيا تبحث عن النمو والاستثمارات وتنويع علاقاتها الاقتصادية، لكنها تريد الاحتفاظ بحقها في مواجهة بكين في الملفات السياسية والأمنية.
وبين هذين الموقفين تتشكل معادلة جديدة للعلاقات الصينية – البريطانية يمكن تلخيصها بالرسالة التي اختار شي جين بينغ وضعها في مقدمة الاتصال:
المصالح المشتركة أكبر من الخلافات.
وإذا نجح الطرفان في تحويل هذه العبارة إلى سياسة فعلية، فقد يكون الاتصال بين شي وبورنهام بداية مرحلة جديدة تتجاوز مجرد إعادة الدفء إلى العلاقات، إلى محاولة بناء شراكة اقتصادية وسياسية أكثر استقلالاً وسط عالم يشهد إعادة تشكيل سريعة للتحالفات ومراكز القوة.
اقرأ أيضًا:
الصين تطرح «هيكلاً أمنياً جديداً» للخليج.. وانغ يي يبحث مع رئيس وزراء قطر مستقبل أمن المنطقة والطاقة

