بكين تؤكد أن «ضغط السلاح ليس مخرجاً» وقطر تتعهد بإعطاء الأولوية لإمدادات الطاقة إلى الصين وسط تصاعد التوترات الإقليمية
طرحت الصين رؤية أكثر وضوحاً لدورها السياسي والأمني في منطقة الخليج، معلنة استعدادها للعمل مع قطر ودول المنطقة من أجل إقامة ما وصفته بـ«هيكل أمني إقليمي جديد عادل ومنصف»، في تطور يعكس اتجاهاً صينياً متزايداً نحو تجاوز الدور الاقتصادي التقليدي في الشرق الأوسط إلى حضور سياسي وأمني أكثر تأثيراً.
وجاء الموقف الصيني خلال محادثات أجراها وزير الخارجية وانغ يي، الثلاثاء، في بكين مع رئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني، تناولت العلاقات الاستراتيجية بين البلدين والتطورات المتسارعة في الشرق الأوسط والخليج وأمن الطاقة والملاحة وسلاسل الإمداد العالمية.
وقالت وزارة الخارجية الصينية إن وانغ يي أكد أن بكين تضع تطوير علاقاتها مع قطر في «موقع مهم» ضمن دبلوماسيتها تجاه الشرق الأوسط، مشدداً على دعم الصين لسيادة قطر واستقلالها وأمنها واستقرارها.
ووصف وانغ الصين بأنها «الشريك الأكثر موثوقية والأطول أمداً» لقطر في مسيرتها التنموية، داعياً إلى توسيع التعاون من قطاعات الطاقة التقليدية إلى الطاقة الجديدة والاستثمار والتكنولوجيا المتقدمة والتبادل بين الشعبين.
«ضغط السلاح ليس مخرجاً»
لكن الجانب الأكثر أهمية في المحادثات جاء خلال مناقشة الوضع الأمني في الشرق الأوسط والخليج.
فبحسب البيان الرسمي الصادر عن وزارة الخارجية الصينية، قال وانغ إن استمرار التوتر في المنطقة يلحق أضراراً خطيرة بأمن دولها، ويؤثر بصورة متواصلة في الطاقة والشحن البحري واستقرار سلاسل الإمداد.
وأكد وزير الخارجية الصيني أن «الضغط بالقوة والسلاح ليس مخرجاً، والحوار والمفاوضات هما الطريق الصحيح».
وشدد على ضرورة احترام سيادة دول المنطقة وأمنها، والتعامل بصورة مناسبة مع المخاوف المشروعة لجميع الأطراف والالتزام بمبادئ القانون الدولي والقواعد الأساسية للعلاقات الدولية.
وأعلنت بكين استعدادها لتعزيز التنسيق مع قطر وبقية دول المنطقة بهدف استعادة السلام والاستقرار في أسرع وقت ممكن.
«هيكل أمني إقليمي جديد»
واللافت في البيان الصيني استخدام بكين تعبيراً يتجاوز الدعوات التقليدية إلى خفض التصعيد.
فقد أعلن وانغ يي أن الصين تدعم دول المنطقة في أن تكون «مستقبلها ومصيرها في أيديها»، والعمل على إقامة «هيكل أمني إقليمي جديد عادل ومنصف».
ويمثل هذا الطرح إشارة إلى رؤية صينية أوسع لمستقبل الأمن في الشرق الأوسط، تقوم على منح الدول الإقليمية دوراً أكبر في صياغة ترتيباتها الأمنية بدلاً من الاعتماد الكامل على القوى الخارجية.
ويأتي الموقف في توقيت بالغ الحساسية مع استمرار المواجهة الأمريكية – الإيرانية واتساع نطاق الاضطرابات العسكرية لتشمل طرق الملاحة ومنشآت الطاقة في المنطقة.
وأفادت رويترز الثلاثاء بأن الهجمات الحوثية الأخيرة على مدن ومنشآت سعودية رفعت مستوى المخاطر الإقليمية، فيما عادت أسعار النفط إلى الاقتراب من مستويات مرتفعة وسط المخاوف من اتساع الحرب وتعطل المزيد من إمدادات الطاقة.
قطر: الأولوية لإمدادات الصين بالطاقة
وحمل الجانب الاقتصادي من المحادثات رسالة مهمة أيضاً.
فقد أكد رئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري أن الصين أصبحت أكبر شريك تجاري وشريك في مجال الطاقة لقطر، وفق البيان الصيني.
وقال الشيخ محمد بن عبدالرحمن إن الدوحة ستعمل على تجاوز الصعوبات وإعطاء الأولوية لضمان إمدادات الطاقة إلى الصين.
ويكتسب هذا التعهد أهمية خاصة في ظل الاضطرابات التي تشهدها طرق نقل الطاقة في الخليج، والمخاوف المتعلقة بأمن الملاحة وسلاسل التوريد.
وتعد الصين أكبر مستورد للنفط الخام في العالم ومن أكبر مستوردي الغاز الطبيعي المسال، ما يجعل استقرار الخليج وطرق تصدير الطاقة قضية مرتبطة مباشرة بالأمن الاقتصادي الصيني.
ولهذا لم تعد نظرة بكين إلى أمن المنطقة منفصلة عن أمنها الاقتصادي الداخلي.
تعاون في الطاقة والتكنولوجيا والاستثمار
واتفق الجانبان على تعزيز التعاون في قطاعات الطاقة التقليدية والجديدة، إضافة إلى الاستثمار والتكنولوجيا المتقدمة.
وأكدت قطر كذلك التزامها بمبدأ «الصين الواحدة»، ومعارضتها للتدخل الخارجي في الشؤون الداخلية الصينية، فيما أعربت عن استعدادها لتعزيز التنسيق مع بكين داخل الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية.
وقالت وكالة أنباء «شينخوا» الصينية الرسمية إن الجانبين أكدا أيضاً أهمية حماية التعددية وتعزيز السلام والتنمية الدولية.
وأعربت الدوحة عن دعمها للمبادرات الصينية المتعلقة بأمن الشرق الأوسط، واستعدادها للعمل مع بكين لحماية أمن إمدادات الطاقة العالمية واستكشاف ترتيبات أمنية تعكس استقلالية دول المنطقة.
من الاقتصاد إلى السياسة
وتكشف المحادثات عن تحول تدريجي في طبيعة الحضور الصيني في الخليج.
فعلى مدى عقود، ارتكزت العلاقات الصينية – الخليجية بصورة أساسية على النفط والغاز والتجارة والاستثمار والبنية التحتية.
لكن بكين بدأت خلال السنوات الأخيرة توسيع حضورها السياسي والدبلوماسي، وكان أبرز محطاته نجاح الوساطة الصينية في استئناف العلاقات الدبلوماسية بين السعودية وإيران عام 2023.
واليوم تطرح الصين مفهوماً أكثر طموحاً يتعلق بشكل النظام الأمني الإقليمي نفسه.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن بكين تسعى إلى أن تحل عسكرياً محل الولايات المتحدة في الخليج؛ فالصين لا تمتلك حتى الآن شبكة التحالفات والقواعد والانتشار العسكري الأمريكي في المنطقة.
لكنها تحاول تقديم نموذج مختلف يقوم على العلاقات الاقتصادية، والوساطة السياسية، وعدم التدخل، والحوار بين القوى المتنافسة.
أمن الخليج أصبح مصلحة صينية مباشرة
ويفسر حجم المصالح الصينية في المنطقة جزءاً كبيراً من هذا التحول.
فالخليج يمثل أحد أهم مصادر الطاقة للاقتصاد الصيني، كما تمر عبر مياهه طرق تجارية حيوية بالنسبة إلى بكين.
وأي اضطراب طويل في مضيق هرمز أو طرق تصدير الغاز والنفط لا يمثل أزمة خليجية فقط، وإنما ينعكس على الصناعة الصينية والأسعار وسلاسل الإمداد والتجارة العالمية.
وتظهر بيانات الجمارك الصينية الصادرة الثلاثاء أن الاقتصاد الصيني لا يزال يعتمد بدرجة كبيرة على التجارة الخارجية، بعدما قفزت صادرات البلاد بنسبة 25 في المئة خلال أغسطس، مدفوعة بقوة الطلب على المنتجات عالية التقنية والمرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
وبالتالي فإن حماية طرق التجارة والطاقة أصبحت جزءاً متزايداً من حسابات السياسة الخارجية الصينية.
بكين تبحث عن موقع في «اليوم التالي»
الأهم في الموقف الصيني ليس فقط مطالبة الأطراف بوقف التصعيد.
فحديث وانغ يي عن «هيكل أمني إقليمي جديد» يشير إلى أن بكين بدأت تنظر إلى ما بعد الحرب والأزمات الحالية، وإلى الشكل الذي يمكن أن تكون عليه ترتيبات الأمن في الخليج مستقبلاً.
وقطر، بما تملكه من ثقل في سوق الغاز ودور في الوساطات الإقليمية وعلاقات مع واشنطن وطهران وبكين، تمثل بالنسبة إلى الصين شريكاً مهماً في مثل هذه الرؤية.
ومن هنا تتجاوز زيارة رئيس الوزراء القطري إلى بكين حدود العلاقات الثنائية.
ففي الوقت الذي تتصاعد فيه المواجهات العسكرية وتتعرض منشآت الطاقة وطرق الملاحة لضغوط متزايدة، تقول الصين إنها تريد أن يكون لدول المنطقة نفسها الدور الأساسي في تحديد مستقبلها الأمني.
وإذا تحولت هذه التصريحات في المرحلة المقبلة إلى مبادرة دبلوماسية صينية واضحة المعالم، فإن الشرق الأوسط قد يكون أمام مرحلة جديدة من المنافسة الدولية: ليست فقط على النفط والتجارة والاستثمارات، وإنما أيضاً على من يشارك في صياغة النظام الأمني الذي سيحكم الخليج بعد انتهاء المواجهات الحالية.
اقرأ أيضًا:
إندونيسيا تعيد فتح مطاراتها بعد ثوران أناك كراكاتو.. 8 مفقودين بينهم 5 صحفيين

