الأربعاء - 2026/08/26 2:20:24 صباحًا

NE

News Elementor

هذا الموقع بــرعاية

ترامب يحاصر إيران… لكنه يتردد أمام الزناد الصيني

واشنطن تريد خنق طهران اقتصاديًا، وبكين ترفض الانصياع… لكن اختبار القوة الحقيقي يبدأ عندما تصبح معاقبة إيران مستحيلة من دون معاقبة الصين

افتتاحية أخبار الكويت | Kuwait-News.com

في الحروب التقليدية، يمكن معرفة بداية المعركة من أول صاروخ يُطلق.

أما في الحروب الاقتصادية، فقد تبدأ المعركة بقرار من وزارة الخزانة، وناقلة نفط تغير مسارها، ومصرف يرفض تنفيذ حوالة، وشركة تأمين تنسحب من صفقة خوفًا من العقوبات.

وهذا تحديدًا ما يجري اليوم حول إيران.

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لم يتراجع عن سياسة خنق الاقتصاد الإيراني. على العكس، واشنطن رفعت مستوى الضغط وأطلقت حملة Operation Economic Outcast في محاولة لإغلاق ما تبقى من منافذ النفط والتمويل والتجارة أمام طهران.

لكن الولايات المتحدة اصطدمت بالمشكلة التي كانت تنتظرها منذ البداية:

يمكن إصدار قرار بحصار إيران من واشنطن… لكن تنفيذ الحصار الكامل يمر عبر بكين.

وهنا تتغير طبيعة المعركة.

لم تعد القضية إيران وحدها.

بل أصبحت اختبارًا لمدى قدرة الولايات المتحدة على استخدام الدولار والعقوبات الثانوية لفرض إرادتها الاقتصادية على ثاني أكبر اقتصاد في العالم.

الصين… الثغرة الكبرى في الحصار

لدى إيران نقطة ضعف واضحة: حاجتها إلى بيع النفط للحصول على العملات الأجنبية.

لكن لديها أيضًا شريان بالغ الأهمية: الصين.

كانت بكين خلال السنوات الأخيرة المشتري الأكبر للنفط الإيراني، واستمرت التجارة رغم العقوبات الأمريكية من خلال منظومة معقدة من الشركات والوسطاء والناقلات والمصافي وطرق التسوية المالية.

وهذا يضع ترامب أمام معادلة قاسية:

إذا أراد خنق إيران فعلًا، فعليه أن يجعل شراء الصين للنفط الإيراني مكلفًا وخطيرًا.

لكن قول ذلك أسهل بكثير من تنفيذه.

معاقبة شركة صغيرة أو ناقلة مرتبطة بإيران قرار يمكن لواشنطن اتخاذه دون أن يهتز الاقتصاد العالمي.

أما فرض عقوبات قاسية على بنك صيني ضخم أو مؤسسة مالية رئيسية بسبب تعاملها مع النفط الإيراني، فمسألة مختلفة تمامًا.

عندها لن نتحدث عن «عقوبات على إيران».

بل عن بداية مواجهة اقتصادية أمريكية–صينية قد تمتد آثارها إلى التجارة والتكنولوجيا والعملات وسلاسل الإمداد والأسواق العالمية.

ولهذا كان التصعيد الأمريكي حتى الآن شديدًا تجاه إيران، لكنه أكثر حذرًا عندما يصل إلى قلب المنظومة المالية الصينية.

وهنا تكمن المفارقة.

ترامب يريد أن تصدق بكين أنه مستعد لمعاقبتها، من دون أن يضطر فعلًا إلى تنفيذ العقوبة التي قد تشعل المواجهة معها.

الصين فهمت اللعبة

بكين بدورها لم تعلن التراجع.

الموقف الصيني رفض العقوبات الأحادية الأمريكية، وأكد حق الصين في حماية مصالحها الاقتصادية والتجارية.

لكن الصين أيضًا ليست جمعية خيرية مهمتها إنقاذ الاقتصاد الإيراني.

بكين تتحرك وفق مصالحها.

النفط الإيراني يمنحها مصدرًا إضافيًا للطاقة، غالبًا بشروط وأسعار جذابة، وإيران تمثل شريكًا استراتيجيًا مهمًا في منطقة شديدة الأهمية للصين.

لكن الصين في الوقت نفسه تحتاج إلى علاقاتها التجارية العالمية، وتحتاج إلى استقرار أسواق الطاقة، ولا تريد حربًا مفتوحة حول الخليج ومضيق هرمز.

لذلك تلعب بكين لعبة أكثر تعقيدًا:

ترفض الاعتراف بشرعية العقوبات الأمريكية، وتحافظ على علاقتها بإيران، لكنها تحسب في الوقت نفسه تكلفة كل خطوة يمكن أن تضع مؤسساتها الكبرى في مواجهة مباشرة مع النظام المالي الأمريكي.

وهذه الحسابات هي ما يراهن عليه ترامب.

ترامب لا يحتاج إلى صفر برميل

هناك خطأ شائع في قراءة الحصار الاقتصادي.

نجاح واشنطن لا يتطلب بالضرورة أن تصل صادرات النفط الإيرانية إلى الصفر.

يكفي أن تصبح عملية بيع النفط أصعب.

أن ترتفع الخصومات التي تضطر إيران إلى تقديمها.

أن تزيد تكاليف النقل والتأمين.

أن تتردد المصافي في الشراء.

أن تصبح البنوك أكثر خوفًا من تسوية المدفوعات.

وأن تتراكم ملايين البراميل التي يصعب بيعها.

عندها ينخفض العائد الحقيقي الذي يصل إلى الاقتصاد الإيراني حتى لو استمرت بعض الصادرات.

ولهذا فإن تراجع تدفقات الخام الإيراني إلى الصين خلال الأشهر الأخيرة يمثل مؤشرًا لا يمكن تجاهله.

الضغط يعمل.

لكن السؤال ليس ما إذا كان يعمل اليوم.

السؤال هو: هل يمكن استمراره حتى يصل إلى النقطة التي يريدها ترامب؟

وهنا يبدأ الاختبار الحقيقي

لنفترض أن الصين قررت غدًا تحدي واشنطن بوضوح.

ولنفترض أن المصافي الصينية واصلت شراء النفط الإيراني بكميات كبيرة، وأن البنوك والقنوات الصينية استمرت في تسوية المدفوعات.

ماذا سيفعل ترامب؟

هنا لا توجد خيارات سهلة.

إما أن تواصل واشنطن ملاحقة السفن والشركات الصغيرة وتتجنب المؤسسات الصينية الكبرى.

وفي هذه الحالة ستبقى هناك نافذة تستطيع إيران التنفس من خلالها.

أو تنتقل الولايات المتحدة إلى المستوى التالي وتبدأ بمعاقبة بنوك ومؤسسات صينية كبيرة.

وعندها يصبح الرد الصيني احتمالًا حقيقيًا.

أو تهدد واشنطن بالعقوبات ثم تتراجع عن تنفيذها.

وهذا ربما يكون السيناريو الأسوأ بالنسبة لهيبة العقوبات الأمريكية، لأن الصين وإيران ودولًا أخرى ستكتشف أن للتهديد الأمريكي حدودًا عندما تصبح التكلفة مرتفعة على الولايات المتحدة نفسها.

ولهذا فالمعركة الحالية ليست فقط اختبارًا لقدرة إيران على الصمود.

إنها اختبار لمصداقية القوة الاقتصادية الأمريكية.

السلاح الأخطر ليس حاملة طائرات

لدى الولايات المتحدة حاملات طائرات وقاذفات وصواريخ وقواعد عسكرية حول العالم.

لكن أحد أقوى الأسلحة الأمريكية لا يوجد في أي قاعدة عسكرية.

إنه الدولار.

من يحتاج إلى النظام المالي الأمريكي، أو البنوك الأمريكية، أو الأسواق الأمريكية، يصبح معرضًا بصورة أو بأخرى لقوة العقوبات الأمريكية.

وهذه القوة هي التي سمحت لواشنطن بتحويل قراراتها الوطنية في أحيان كثيرة إلى قرارات ذات تأثير عالمي.

لكن لكل سلاح ثمن عند الإفراط في استخدامه.

الصين وروسيا وغيرهما تعمل منذ سنوات على زيادة استخدام العملات المحلية، وبناء قنوات دفع بديلة، وتقليل الاعتماد على النظام المالي الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة.

هذه البدائل لا تستطيع حتى الآن إزاحة الدولار عن مركزه العالمي بسهولة.

لكن كل عقوبة أمريكية جديدة تمنح بكين سببًا إضافيًا لتسريع البحث عن البديل.

وهنا تظهر مفارقة استراتيجية:

كلما استخدمت واشنطن الدولار بقوة أكبر اليوم، زاد حافز خصومها لتقليل حاجتهم إليه غدًا.

إيران تراهن على هذه المفارقة

طهران تعرف أنها لا تستطيع مواجهة الاقتصاد الأمريكي بالحجم نفسه.

لكنها لا تحتاج إلى ذلك.

إيران تحتاج إلى البقاء.

إلى بيع كمية كافية من النفط.

إلى إبقاء قنوات مالية مفتوحة.

إلى الحصول على العملة والسلع الأساسية.

وإلى انتظار اللحظة التي تصبح فيها تكلفة الضغط على إيران أعلى بالنسبة لخصومها.

لهذا فإن إيران تراهن على الصين، وعلى الأسواق غير الغربية، وعلى طرق الالتفاف على العقوبات، وعلى عامل الوقت.

ترامب يريد أن يجعل الوقت يعمل ضد طهران.

وطهران تريد أن تجعل تكلفة الحصار تعمل ضد ترامب.

أما الصين فتجلس في منتصف المعادلة وتحاول تحويل الأزمة إلى ورقة قوة إضافية في علاقتها مع واشنطن.

الخليج أمام معادلة مختلفة

من منطقتنا، يجب ألا ننظر إلى هذه المواجهة باعتبارها صراعًا بعيدًا بين ثلاث قوى.

دول الخليج تقع جغرافيًا واقتصاديًا في قلبه.

أي انهيار حاد في الصادرات الإيرانية يمكن أن يؤثر في أسواق النفط.

وأي تصعيد حول مضيق هرمز قد يرفع تكاليف الشحن والتأمين ويهدد حركة الطاقة.

وأي حرب تجارية أمريكية–صينية واسعة ستنعكس على الاقتصاد العالمي، وبالتالي على الطلب على النفط والاستثمارات والأسواق الخليجية.

لذلك فإن السيناريو المثالي للخليج ليس بالضرورة انتصار طرف وسحق الآخر.

المصلحة الخليجية الأوسع هي منع تحول الحرب الاقتصادية إلى حرب عسكرية، ومنع تحول المواجهة مع إيران إلى صدام أمريكي–صيني يعيد تقسيم الاقتصاد العالمي إلى معسكرات.

لا… ترامب لم يتراجع

إذن، هل تراجع ترامب عن حصار إيران؟

لا.

المؤشرات الحالية تقول العكس.

الضغط الاقتصادي يتصاعد، والولايات المتحدة تريد تقليص قدرة طهران على بيع النفط والحصول على الأموال والوصول إلى الأسواق.

لكن هناك فارقًا هائلًا بين حصار إيران وبين القدرة على فرض هذا الحصار على الصين.

وهذا هو الجزء الذي لم يُحسم بعد.

ترامب وضع إيران تحت ضغط اقتصادي شديد.

ثم وصل إلى الباب الصيني.

وخلف هذا الباب توجد بنوك ضخمة، ومصالح تجارية بمئات المليارات، وسلاسل إمداد عالمية، ومعادن حيوية، وأسواق مالية، وحرب تجارية تستطيع أن تصيب الاقتصادين الأمريكي والصيني معًا.

وهنا لم يعد السؤال:

هل يستطيع ترامب إيذاء الاقتصاد الإيراني؟

الإجابة واضحة: نعم.

ولم يعد السؤال حتى:

هل تستطيع إيران الالتفاف على جزء من العقوبات؟

فقد أثبتت خلال سنوات أنها تستطيع.

السؤال الذي سيحدد نتيجة المواجهة أصبح أكثر خطورة:

ماذا سيفعل ترامب عندما يصبح استكمال حصار إيران مرهونًا بمعاقبة الصين؟

إذا تراجعت بكين، سيحقق ترامب أحد أهم أهداف استراتيجية الضغط القصوى.

إذا تحدته الصين وفرض العقوبات الكبرى فعلًا، فقد تبدأ مواجهة اقتصادية أكبر كثيرًا من إيران.

أما إذا تحدته بكين ولم ينفذ تهديده، فقد تكون النتيجة الأخطر على واشنطن: أن يكتشف العالم أن أقوى سلاح اقتصادي أمريكي له خط أحمر اسمه الصين.

وهنا تحديدًا تكمن المعركة القادمة.

فترامب يستطيع أن يحاصر إيران… لكن مفتاح إغلاق الحصار بالكامل ليس في طهران.

إنه في بكين.

الاكثر قراءة

اشترك معنا

برعايـــة

حقوق النشر محفوظة لـ أخبار الكويت © 2025
تم تصميمه و تطويره بواسطة

www.enogeek.com