الجمعة - 2026/08/07 8:16:35 مساءً

NE

News Elementor

هذا الموقع بــرعاية

عندما يصبح السلام خيانة!

في عالم السياسة، لا شيء يثير الغضب أكثر من الحرب… إلا وقفها.

فمنذ أن بدأت تتسرب ملامح التفاهم الأمريكي – الإيراني الأخير، انطلقت صفارات الإنذار في بعض الأوساط السياسية والإعلامية في الكيان المحتل وكأن واشنطن قررت تسليم مفاتيح البيت الأبيض إلى طهران، لا مجرد الجلوس معها إلى طاولة التفاوض.

المفارقة المثيرة أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي قُدم لسنوات طويلة باعتباره أقرب الرؤساء الأمريكيين إلى الكيان المحتل، وجد نفسه فجأة في قفص الاتهام. الرجل الذي نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، واعترف بالجولان، ومارس سياسة “الضغط الأقصى” على إيران، أصبح في نظر بعض الأصوات المتشددة متساهلاً، بل وذهب البعض إلى وصفه بأنه يقدم “اتفاق استسلام”.

هنا يبرز السؤال الأهم: متى يتحول التفاوض إلى استسلام؟

في السياسة الواقعية، التفاوض هو الأداة الطبيعية لإنهاء الصراعات. أما في بعض الخطابات الأيديولوجية، فإن أي اتفاق لا ينتهي بإذعان كامل للطرف الآخر يُصنف فوراً باعتباره هزيمة. وكأن المطلوب من واشنطن ليس حماية مصالحها أو اقتصادها أو استقرار أسواق الطاقة، بل إدارة السياسة الخارجية وفق المزاج السياسي لبعض العواصم والحملات الإعلامية.

الأكثر إثارة للسخرية أن الأصوات التي كانت تطالب الولايات المتحدة بالتصعيد العسكري قبل أشهر، هي نفسها التي تحذر اليوم من مخاطر الحرب الشاملة إذا خرجت الأمور عن السيطرة. يريدون ضغطاً بلا تفاوض، ومواجهة بلا تكلفة، وانتصاراً بلا حرب. وهي معادلة لم تنجح في التاريخ السياسي لأي دولة.

وفي الداخل الأمريكي، يبدو أن ترامب يواجه معادلة معقدة. فمن جهة هناك مصالح أمريكية مباشرة تتعلق بالاقتصاد والطاقة وأسعار النفط والاستقرار الإقليمي، ومن جهة أخرى توجد جماعات ضغط ومؤسسات إعلامية وشخصيات نافذة اعتادت النظر إلى الملف الإيراني من زاوية مختلفة تماماً. ولذلك فإن أي خطوة نحو التهدئة تتحول فوراً إلى معركة سياسية وإعلامية لا تقل ضراوة عن المعركة الدبلوماسية نفسها.

ما تكشفه ردود الفعل الأخيرة هو أن الخلاف الحقيقي ليس حول إيران فقط، بل حول سؤال أكبر: هل تُصاغ السياسة الأمريكية وفق المصلحة الأمريكية أولاً، أم وفق حسابات الحلفاء وأولوياتهم الأمنية؟

اللافت أن بعض الصحف القريبة تاريخياً من دوائر الدعم التقليدية لترامب بدأت توجه إليه انتقادات حادة، وكأن الرسالة تقول إن الرصيد السياسي مهما كان كبيراً لا يكفي عندما يتعلق الأمر بإيران. فهنا ترتفع سقوف التوقعات إلى مستوى يجعل أي تسوية، مهما كانت شروطها، عرضة لوصفها بالخيانة أو الاستسلام.

لكن السياسة ليست شعارات انتخابية، بل فن إدارة المصالح وتقليل الخسائر. وقد يكون من السهل إطلاق الاتهامات من خلف عناوين الصحف، إلا أن إدارة دولة بحجم الولايات المتحدة تختلف كثيراً عن كتابة افتتاحية غاضبة.

في النهاية، قد ينجح الاتفاق أو يفشل، وقد تثبت الأيام صواب مؤيديه أو معارضيه. لكن المؤكد أن المشهد الحالي يكشف حقيقة قديمة تتكرر في كل أزمة: عندما تقترب طبول الحرب من الصمت، يرتفع ضجيج السياسة إلى أقصى درجة.

الاكثر قراءة

اشترك معنا

برعايـــة

حقوق النشر محفوظة لـ أخبار الكويت © 2025
تم تصميمه و تطويره بواسطة

www.enogeek.com