الجمعة - 2026/08/28 6:19:05 صباحًا

NE

News Elementor

هذا الموقع بــرعاية

أوروبا ترسم طريق الاستقلال عن القوى الكبرى.. ميزانية بتريليوني يورو لتعزيز السيادة الاقتصادية والتكنولوجية

تتجه أوروبا إلى إعادة رسم موقعها في النظام الاقتصادي العالمي، في خطوة تعكس تصاعد القلق داخل الاتحاد الأوروبي من الاعتماد المفرط على الولايات المتحدة والصين في قطاعات استراتيجية، وسط تحولات متسارعة في التجارة العالمية والتكنولوجيا والدفاع وسلاسل الإمداد.

وأكدت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين أن الميزانية الأوروبية المقبلة ستكون بمثابة «الذراع المالية» لاستقلال الاتحاد الأوروبي، في إشارة إلى مشروع الميزانية طويلة الأجل للفترة من 2028 إلى 2034، الذي اقترحت المفوضية أن تبلغ قيمته قرابة تريليوني يورو.

وقالت فون دير لاين، خلال كلمة أمام تجمع لأصحاب الأعمال في فرنسا، إن أوروبا لا تستطيع تحديد طموحات جديدة من دون توفير الوسائل اللازمة لتمويلها، مشيرة إلى تخصيص أكثر من 450 مليار يورو عبر صندوق التنافسية الأوروبي وبرنامج «هورايزون أوروبا» لدعم سلسلة تمتد من البحث والابتكار إلى تحويل النماذج الأولية إلى إنتاج صناعي.

ويأتي التوجه الأوروبي في إطار مساعٍ أوسع لتعزيز ما بات يعرف بـ«الاستقلال الاستراتيجي»، وتقوية قدرة الاتحاد على المنافسة في الصناعات والتكنولوجيات الحيوية، في وقت تهيمن فيه الشركات الأميركية والصينية على قطاعات رئيسية في الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة.

وتشير الخطة الرسمية للمفوضية الأوروبية إلى أن الميزانية المقترحة، البالغة نحو تريليوني يورو، تمثل قرابة 1.26 في المئة من متوسط الدخل القومي الإجمالي للاتحاد خلال الفترة من 2028 إلى 2034، وتهدف إلى جعل أوروبا أكثر استقلالاً وأمناً وازدهاراً وقدرة على مواجهة الأزمات.

كما يتضمن المشروع إنشاء وتعزيز أدوات مالية موجهة للتنافسية والتكنولوجيا والصناعة والاستعداد للأزمات، في محاولة لمنح الاتحاد قدرة أكبر على حماية سلاسل التوريد والقطاعات الاستراتيجية.

اعتراض أوروبي على فاتورة الاستقلال

غير أن الطموح الأوروبي يواجه خلافاً كبيراً حول كيفية تمويله.

فبالتزامن مع تصريحات فون دير لاين، طالبت ست دول تعد من كبار المساهمين الصافين في ميزانية الاتحاد، وهي ألمانيا والدنمارك وهولندا والنمسا وفنلندا والسويد، بخفض مشروع الميزانية بمئات المليارات من اليورو.

وترى هذه الدول أن الميزانية المقترحة بحجمها الحالي مرتفعة، لكنها في الوقت نفسه تطالب بتوجيه حصة أكبر من الموارد الأوروبية نحو الأولويات المشتركة، وفي مقدمتها الدفاع والتنافسية والهجرة وتعزيز السيادة الأوروبية.

وكانت ألمانيا قد طرحت في وقت سابق خفضاً يقدر بنحو 400 مليار يورو من المشروع المقترح، معتبرة أن الحجم الحالي للميزانية يصعب تحمله.

كما تعارض الدول الست اللجوء إلى اقتراض أوروبي مشترك جديد لتمويل الإنفاق، ما يكشف عن معركة سياسية ومالية مرتقبة بين العواصم الأوروبية حول تكلفة تحقيق الاستقلال الاستراتيجي.

بين واشنطن وبكين

التحرك الأوروبي يتجاوز في أبعاده مجرد الخلاف حول حجم الميزانية.

فالحرب التجارية العالمية، والسباق على الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات، والاعتماد الأوروبي على التكنولوجيا الأميركية، إلى جانب قوة الصين الصناعية وسيطرتها على أجزاء مهمة من سلاسل التوريد العالمية، كلها عوامل دفعت بروكسل إلى إعادة النظر في النموذج الاقتصادي الذي اعتمدت عليه لعقود.

وأصبحت «السيادة» و«التنافسية» و«الاستقلال» مفردات تتكرر بصورة متزايدة في الخطاب السياسي والاقتصادي الأوروبي.

ولا يعني ذلك أن أوروبا تتجه إلى فك ارتباط اقتصادي كامل مع الولايات المتحدة أو الصين، وإنما تسعى إلى تقليل المخاطر الناجمة عن الاعتماد المفرط على أي قوة خارجية في المجالات التي تعتبرها حيوية لأمنها الاقتصادي.

ماذا يعني ذلك للخليج؟

التحول الأوروبي يحمل أهمية خاصة بالنسبة لدول الخليج وصناديقها السيادية.

فإذا نجحت أوروبا في ضخ مئات المليارات من اليورو في الصناعات المتقدمة والذكاء الاصطناعي والطاقة والتكنولوجيا والبنية التحتية والدفاع، فإن ذلك قد يفتح أمام رؤوس الأموال الخليجية فرصاً استثمارية وشراكات جديدة مع الشركات الأوروبية.

وفي المقابل، فإن الاتجاه العالمي المتزايد نحو «الأمن الاقتصادي» وإعادة توطين الصناعات قد يفرض على الاقتصادات الخليجية إعادة تقييم استراتيجياتها الاستثمارية، خصوصاً مع احتدام المنافسة بين الولايات المتحدة والصين وأوروبا على رأس المال والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد.

وتكشف التطورات الأخيرة عن حقيقة أكبر: الاقتصاد العالمي يتحول تدريجياً من مرحلة كانت الأولوية فيها للعولمة والكفاءة وخفض التكلفة، إلى مرحلة أصبحت فيها السيادة الاقتصادية والأمن التكنولوجي وتأمين سلاسل الإمداد عناصر أساسية في صناعة القرار.

وبذلك، فإن معركة التريليوني يورو الأوروبية ليست مجرد خلاف على أرقام الميزانية، وإنما جزء من سؤال أكبر يواجه القارة:

هل تستطيع أوروبا بناء قوة اقتصادية وتكنولوجية أكثر استقلالاً في عالم تزداد فيه المنافسة بين واشنطن وبكين؟

اقرأ أيضًا:

الاتحاد الأوروبي يجدد دعمه للعملية السياسية في ليبيا ويدفع نحو الانتخابات

الاكثر قراءة

اشترك معنا

برعايـــة

حقوق النشر محفوظة لـ أخبار الكويت © 2025
تم تصميمه و تطويره بواسطة

www.enogeek.com