تشهد أوروبا تحولات متسارعة في سياستها الأمنية والدفاعية مع تصاعد ما يوصف بـ“النظام العالمي الجديد” الذي تقوده إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في وقت يجد فيه القادة الأوروبيون أنفسهم مضطرين لإعادة حساباتهم الاستراتيجية بسرعة.
وفي مدينة ميونيخ الألمانية، التي تستضيف سنوياً أبرز مؤتمر أمني عالمي، باتت مظاهر التركيز العسكري أكثر وضوحاً، مع تصاعد الاستثمارات الأوروبية في تقنيات الدفاع المتقدمة مثل الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيّرة والفضاء، خصوصاً في ولاية بافاريا التي تحولت إلى مركز رئيسي للتكنولوجيا الدفاعية.
ويقول مسؤولون وخبراء إن شعور القلق يتزايد في القارة، حيث أظهر استطلاع “يورو باروميتر” أن نحو 68% من الأوروبيين يرون أن دولهم تواجه تهديدات متنامية، في ظل ضغوط جيوسياسية من روسيا والصين، مقابل علاقة أكثر تقلباً مع الولايات المتحدة.
وتأتي هذه المخاوف بينما ترفع ألمانيا إنفاقها الدفاعي بشكل كبير، إذ من المتوقع أن يتجاوز بحلول عام 2029 مجموع إنفاق بريطانيا وفرنسا مجتمعين، في خطوة يراها حلف شمال الأطلسي (ناتو) تحولاً كبيراً في ميزان القدرات الأوروبية.
وشكلت العلاقات المتوترة عبر الأطلسي محوراً رئيسياً في مؤتمر ميونيخ للأمن، خاصة بعد سلسلة مواقف للرئيس ترامب شملت فرض رسوم جمركية على حلفاء أوروبيين والتلويح سابقاً بالسيطرة على جزيرة غرينلاند التابعة للدنمارك، ما ترك أثراً عميقاً في مستوى الثقة بين الجانبين.
ورغم محاولات التهدئة، أكد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو خلال المؤتمر أن واشنطن تريد “أوروبا قوية”، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن الولايات المتحدة تسعى لشراكة جديدة بشروط مختلفة، في إشارة إلى توجه أميركي يدفع الأوروبيين لتحمل مسؤولية أكبر عن أمنهم.
في المقابل، حذرت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين من أن بعض الخطوط في العلاقة مع واشنطن “تم تجاوزها”، مؤكدة أن أوروبا تمر بما يشبه “صدمة استراتيجية” تدفعها لإعادة التفكير في استقلالها الدفاعي والاقتصادي.
ومع تصاعد الحديث عن “ناتو 3.0” وتقليص الوجود العسكري الأميركي في أوروبا لصالح التركيز على منطقة الهندي-الهادئ، يتجه الأوروبيون بشكل متزايد إلى بناء تحالفات مرنة مع دول متقاربة في التوجهات مثل اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا، إلى جانب تعزيز التعاون داخل القارة.
ويرى مراقبون أن التحولات الجارية قد لا تكون مؤقتة مرتبطة بترامب فقط، بل قد تمثل بداية مرحلة جديدة في ميزان القوى العالمي، حيث تتحرك أوروبا ببطء لكن بثبات نحو اعتماد أكبر على نفسها في مجالات الدفاع والتكنولوجيا والأمن الاستراتيجي.
اقرأ أيضًا:
هيلاري كلينتون تتهم إدارة ترامب بالتستر على ملفات إبستين وتطالب بنشرها كاملة

