الجمعة - 2026/02/06 7:30:32 مساءً

NE

News Elementor

هذا الموقع بــرعاية

حين تتحرك طوكيو، لا يهتز الين وحده… بل يسمع العالم الصدى

في 8 فبراير 2026، لا تجتمع اليابان لاتخاذ قرار تقني عابر، ولا يناقش صُنّاع القرار بندًا محاسبيًا في ميزانية دولة كبرى. ما يجري في طوكيو هو اختبار حقيقي لميزان النظام المالي العالمي، ولواحدة من أكثر التجارب النقدية جرأة في التاريخ الحديث: طباعة النقود بلا حدود، وفوائد صفرية وسلبية، واقتصاد عاش طويلًا ضد قوانين التضخم.

لأكثر من عقدين، كانت اليابان الاستثناء. دولة متقدمة تعيش في عصر الانكماش؛ الأسعار لا ترتفع، الأجور جامدة، والطلب ضعيف. بدا ذلك نعمة للمستهلك، لكنه كان كابوسًا للدولة. قيمة الأصول تتآكل، والدين العام يتضخم، والنمو يراوح مكانه.
ولذلك، ومع توجيه من الحكومة، فتح بنك اليابان الصنابير: طباعة كثيفة، شراء سندات، فوائد سلبية، واستعداد لخسارة المال «لأن البديل أسوأ». كان التبرير بسيطًا: لا تضخم… إذن لا خطر.

لكن المعادلة تغيّرت.

اليوم، اليابان تواجه ما لم تعهده منذ عقود: التضخم عاد. أسعار ترتفع، والفائدة وصلت إلى أعلى مستوياتها منذ نحو ثلاثين عامًا. وهنا يظهر السؤال المصيري:
هل تواصل الحكومة ضخ الأموال وتحمل خطر انفلات الأسعار؟ أم تتوقف، وتفتح الباب أمام سلسلة صدمات داخلية وخارجية؟

القرار لم يعد يخص اليابانيين وحدهم.

فالين الياباني لم يكن مجرد عملة محلية، بل وقودًا خفيًا للأسواق العالمية. عبر ما يُعرف بـ تجارة الين المحمول، اقترض المستثمرون الين بفوائد شبه صفرية، وضخوا الأموال في أسواق أعلى عائدًا، خصوصًا في الولايات المتحدة: أسهم، عقارات، عملات رقمية.
أي ارتفاع حاد في الفائدة اليابانية يعني شيئًا واحدًا: انتهاء هذا الوقود الرخيص، وانسحاب سيولة ضخمة من الأسواق الأميركية. وول ستريت، التي اعتادت هذا التدفق، قد تجد نفسها فجأة أمام فراغ مؤلم.

ثم تأتي القنبلة الصامتة داخل اليابان نفسها: سوق الرهون العقارية.
نحو 79% من القروض العقارية اليابانية بفائدة متغيرة. أي رفع إضافي للفائدة سيعني أقساطًا أعلى لملايين الأسر. وإذا لم تتحمل الدخول هذه القفزة، فسيناريو التعثر والحجز الذي عرفته الولايات المتحدة في 2008 قد يعود ولكن بملامح يابانية. هدوء خارجي… وقلق عميق في الداخل.

غير أن التأثير الأخطر يتجاوز طوكيو ونيويورك معًا.
اليابان هي أكبر مالك أجنبي للدولار وسندات الخزانة الأميركية، بحيازة تقارب 1.2 تريليون دولار. لعقود، فضّل المستثمر الياباني إقراض واشنطن لأن العائد الأميركي حتى لو كان ضعيفًا أفضل من العائد السلبي في بلاده.
لكن إذا بدأت اليابان تقديم عوائد حقيقية موجبة على ديونها، فالسؤال يصبح منطقيًا: لماذا يذهب المال إلى أميركا؟

الإجابة تعني احتمالًا واحدًا: قلة مشترين للدين الأميركي.
وعندما يقل المشترون، تُجبر الولايات المتحدة على رفع العائد. ومع ارتفاع عائد الخزانة، ترتفع تلقائيًا فوائد الرهن العقاري، وقروض السيارات، وبطاقات الائتمان. قرار في طوكيو… فاتورة أعلى في شيكاغو أو كاليفورنيا.

وكل ذلك يحدث فيما تحمل اليابان عبئًا أثقل من الجميع: دين عام يعادل 240% من ناتجها المحلي ضعف النسبة الأميركية تقريبًا. أي خطأ في الحسابات، وأي خطوة غير محسوبة، ستكون كلفتها مضاعفة.

ومع ذلك، وسط هذا المشهد المليء بالمخاطر، تلوح فرصة.
اليابان تغيّر فلسفتها الاقتصادية. من نموذج يوازن بين الموظفين والعملاء والمجتمع، إلى نموذج يضع المساهم في الصدارة. انتقال من «اقتصاد أصحاب المصلحة» إلى «اقتصاد أصحاب الأسهم». هذا التحول، الذي يفرض على الإدارات التنفيذية السعي لرفع قيمة السهم، قد يجعل السوق اليابانية أكثر جاذبية لرؤوس الأموال العالمية الباحثة عن نمو حقيقي.

هكذا، يصبح قرار 8 فبراير أكثر من مجرد تصويت أو اجتماع. إنه نقطة تماس بين الين والدولار، بين التضخم والانكماش، بين الاستقرار والمخاطرة.
ولهذا، فإن العالم كله من البنوك المركزية إلى المستثمر الصغير يراقب طوكيو عن كثب.

لأن الحقيقة باتت واضحة:
حين تتحرك طوكيو، لا يهتز الين وحده… بل يسمع العالم الصدى.

برعايـــة

حقوق النشر محفوظة لـ أخبار الكويت © 2025
تم تصميمه و تطويره بواسطة

www.enogeek.com