الأربعاء - 2026/02/04 5:13:33 صباحًا

NE

News Elementor

هذا الموقع بــرعاية

منصة واحدة… وسلطة كاملة: كيف تحوّلت شبكات التواصل إلى أدوات نفوذ سياسي؟

لم تعد معركة حرية التعبير في عصرنا تُخاض في البرلمانات أو ساحات القضاء فقط، بل انتقلت إلى خوارزميات غير مرئية، تملكها شركات خاصة، وتتحكم بها قلة من أصحاب المليارات. وما يثار أخيرًا حول منصة «تيك توك» ليس مجرد جدل تقني أو خلاف حول سياسات محتوى، بل هو نموذج صارخ لكيف يمكن للملكية، حين تتغيّر، أن تعيد رسم حدود المسموح والممنوع في الفضاء العام الرقمي.

الحديث عن بيع قسري للمنصة، وانتقالها من ملكية صينية إلى ملكية أمريكية، فتح بابًا واسعًا للتساؤل: هل المشكلة في الدولة المالكة، أم في من يملك القرار النهائي داخل المنصة؟ ما تطرحه الوقائع كما يراها كثير من المستخدمين وصنّاع المحتوى أن الخلل ليس جغرافيًا، بل بنيوي: حين تصبح منصة تضم مئات الملايين أداة بيد مالك واحد أو مجموعة صغيرة، فإن حرية التعبير تصبح مشروطة بمصالحهم السياسية والاقتصادية.

أخطر ما في الاتهامات المتداولة ليس مجرد «حذف فيديو» أو «خفض مشاهدات»، بل النمط. محتوى ينتقد سياسات الهجرة الأمريكية، أو شخصيات سياسية نافذة، أو يعارض السردية الإسرائيلية، يُقال إنه يُخنق خنقًا: لا حظر صريح، بل تجفيف تدريجي للوصول، أو تعطيل حسابات كاملة، بلا تفسير شفاف. هذا الشكل من الرقابة هو الأكثر خطورة، لأنه لا يعلن نفسه، ولا يترك أثرًا قانونيًا واضحًا، بل يعمل عبر الخوارزميات.

الأكثر إثارة للجدل هو إعادة تعريف بعض المصطلحات سياسيًا. حين يُسمح لشخص أن يعلن «فخره» بأيديولوجيا ما، بينما يُصنَّف نقد تلك الأيديولوجيا على أنه «خطاب كراهية»، فنحن لا نكون أمام حماية فئات، بل أمام تحيّز أيديولوجي مقنّع بسياسات السلامة. هنا تنتقل المنصة من كونها وسيطًا تقنيًا إلى فاعل سياسي يحدد ما هو رأي مشروع وما هو محظور.

ولا يمكن فصل هذا كله عن مسألة البيانات. تحديثات شروط الاستخدام، التي يُقال إنها توسّع نطاق جمع معلومات حساسة عن المستخدمين – من الانتماءات الدينية إلى الحالة الصحية – تطرح سؤالًا أكبر: من يملك هذه البيانات؟ وكيف يمكن استخدامها حين تجتمع السلطة السياسية، والمال، والخوارزميات، في يد واحدة؟ في عالم تُدار فيه الحملات الانتخابية والحروب الإعلامية بالبيانات، يصبح هذا السؤال وجوديًا.

التاريخ القريب يقدّم لنا مثالًا واضحًا: «أدبوكاليبس» هو مصطلح إعلامي يُستخدم لوصف أزمة كبرى ضربت يوتيوب بين عامي 2016 و2017، عندما سحبت شركات إعلانية عالمية إعلاناتها من المنصة بشكل جماعي، بعد اكتشاف أن إعلاناتها كانت تُعرض بجانب محتوى اعتُبر متطرفًا أو مسيئًا أو غير ملائم. حين ضغط المعلنون، شددت المنصة سياساتها، ودُفع الثمن من جيوب صنّاع المحتوى، لا من أصحاب القرار. الفرق اليوم أن القضية لم تعد فقط «ملاءمة إعلانية»، بل توجيه سياسي مباشر للرواية العامة.

اللافت أن ما يُوصف بـ«الرقابة الثقيلة» ارتدّ على أصحابها. حين تكون الرقابة فجّة وسريعة، تفقد المنصة أهم ما تحتاجه: الإنكار المعقول. ومع انكشاف الأمر، يبدأ النزوح. انتقال المستخدمين إلى منصات بديلة – تُسوّق نفسها كمساحات أكثر حرية – ليس مجرد حركة تقنية، بل تصويت سياسي رقمي ضد الاحتكار.

في الجوهر، نحن أمام سؤال ديمقراطي بامتياز: هل يُعقل أن تتحكم حفنة من المليارديرات في منصات أصبحت جزءًا من المجال العام العالمي؟ حين يصل تأثير منصة ما إلى مستوى تشكيل الرأي العام، والتأثير على الانتخابات، وتحديد ما يُرى وما يُدفن، فربما لم تعد مجرد «شركة خاصة»، بل بنية تحتية عامة، تُدار اليوم بلا مساءلة حقيقية.

القضية إذن ليست «تيك توك» وحدها، ولا مالكها الحالي أو السابق، بل نموذج كامل لاقتصاد الانتباه، حيث تُشترى المنصات كما تُشترى الأصول، بينما تُعامل أصوات الملايين كمتغيّر قابل للتعديل. وفي عالم تتزايد فيه الأزمات، تبقى حرية التعبير مهما اختلفنا حول مضمونها خط الدفاع الأخير عن أي ديمقراطية حقيقية. والسؤال المفتوح: من يضع حدود سلطة الخوارزميات قبل أن تضع هي حدود أفكارنا؟

برعايـــة

حقوق النشر محفوظة لـ أخبار الكويت © 2025
تم تصميمه و تطويره بواسطة

www.enogeek.com