في خضم الجدل المتصاعد داخل حلف شمال الأطلسي حول مستقبل الوجود العسكري في غرينلاند، برز موقف كل من بولندا وإيطاليا الرافض لإرسال قوات إلى الجزيرة، في خطوة تعكس انقسامًا محسوبًا داخل الحلف، لا رفضًا لمبدأ الدفاع الجماعي، بل اختلافًا في قراءة الأولويات والمخاطر.
بولندا: الجبهة الشرقية أولًا ووحدة الحلف خط أحمر
تؤكد وارسو، بحسب تصريحات رسمية وتقارير لصحف غربية بينها Reuters وPolitico، أن رفضها إرسال قوات إلى غرينلاند ينطلق من أولوية أمنية واضحة تتمثل في تركيز قدراتها العسكرية على الجبهة الشرقية للناتو، حيث ترى أن التهديد المباشر يتمثل في روسيا وبيلاروسيا.
وترى بولندا أن أي تحرك عسكري في غرينلاند خارج إجماع أطلسي صريح قد يُستغل سياسيًا ويُضعف وحدة الحلف، خاصة إذا بدا مرتبطًا بخلافات داخلية أو ضغوط أمريكية أحادية. وتشدّد وارسو على التزامها الكامل بالدفاع الجماعي، لكن عبر تعزيز الردع في المناطق الأكثر حساسية أمنيًا، لا من خلال انتشار رمزي بعيد جغرافيًا عن مصادر الخطر المباشر.
إيطاليا: لا خطوات أحادية ولا تصعيد غير محسوب
أما روما، فتنطلق من مقاربة مختلفة في الشكل، متقاربة في الجوهر. فوفق مصادر دبلوماسية أوروبية وتقارير The Guardian وPolitico Europe، ترى إيطاليا أن نشر قوات في غرينلاند يجب أن يكون قرارًا جماعيًا داخل الناتو، لا خطوة منفردة قد تفتح باب التصعيد في منطقة شديدة الحساسية الجيوسياسية.
وتشير إيطاليا إلى التزاماتها العسكرية القائمة في البحر المتوسط والبلقان، إضافة إلى مهام الناتو الجارية، معتبرة أن توسيع رقعة الانتشار دون ضرورة أمنية واضحة قد يشتت الجهود ويضعف فعالية الحلف. كما تعطي روما أولوية للحلول الدبلوماسية الأوروبية قبل الانتقال إلى خيارات عسكرية.
القاسم المشترك: الدفاع نعم… لكن بشروط
على الرغم من اختلاف السياقين البولندي والإيطالي، إلا أن القاسم المشترك بين الموقفين يتمثل في:
• رفض تسييس الناتو أو استخدامه في نزاعات داخلية بين أعضائه.
• الخوف من سابقة قد تحوّل الحلف من إطار دفاعي جماعي إلى أداة ضغط سياسي.
• التشديد على الإجماع كشرط أساسي لأي تحرك عسكري جديد.
البعد الاقتصادي: ليس من الناتو بل من أوروبا
وبينما يُطرح تساؤل حول رد اقتصادي محتمل، تؤكد مصادر غربية أن الناتو، بوصفه تحالفًا عسكريًا، لا يمتلك أدوات عقابية اقتصادية. إلا أن النقاش انتقل إلى الاتحاد الأوروبي، حيث لوّحت المفوضية الأوروبية باستخدام «أداة مكافحة الإكراه التجاري» في حال استمرت الضغوط المرتبطة بغرينلاند، وهو ما تناولته تقارير Reuters وFinancial Times.
خلاصة تحليلية
يعكس رفض بولندا وإيطاليا إرسال قوات إلى غرينلاند انقسامًا عقلانيًا داخل الناتو حول الأولويات، لا تصدعًا في الالتزام بالدفاع الجماعي. فالدولتان تقولان بوضوح إن حماية وحدة الحلف، وتحديد التهديدات الحقيقية، ومنع الانزلاق إلى تصعيد غير محسوب، تبقى اعتبارات أساسية في مرحلة دولية تتسم بتوترات جيوسياسية متزايدة وإعادة رسم لموازين القوة.
اقرأ أيضًا:

