يطرح تقرير Foreign Affairs سؤالًا صريحًا: هل نحن أمام حرب باردة جديدة؟ ويجيب الكاتبان بأن التشبيه مفيد لفهم طبيعة المنافسة طويلة الأمد بين قوتين عظميين، لكنه ليس مطابقًا للحرب الباردة الكلاسيكية بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي. فالعالم تغيّر: العولمة عمّقت الترابط الاقتصادي، والتكنولوجيا باتت ميدانًا حاسمًا، واللاعبون الإقليميون صاروا أكثر استقلالًا وقدرة على المناورة.
من هنا، يدافع التقرير عن فكرة أساسية: التاريخ لا يكرر نفسه حرفيًا، لكنه يرسل “أصداء” أنماطًا وعبرًا يمكن استثمارها لتجنب الانزلاق إلى صدام مباشر، وإدارة منافسة قاسية دون تدمير النظام الدولي بالكامل.
أولًا: ما الذي يجعل التنافس الأمريكي–الصيني “حربًا باردة”؟
يرى براندز وجاديس أن عناصر “الحرب الباردة” تظهر حين تتوافر ثلاث سمات:
1. صراع نفوذ عالمي طويل الأمد: ليس خلافًا عابرًا، بل منافسة على ترتيب الإقليم والممرات البحرية ومعايير التكنولوجيا ونفوذ المؤسسات الدولية.
2. اختلاف في نمط الحكم والقيم السياسية: ليس بالصورة الأيديولوجية الصلبة لقرن العشرين، لكنه يظل تنافسًا بين نموذجين مختلفين في الشرعية السياسية والحريات وتوازن الدولة والمجتمع.
3. خطر التصعيد تحت “ظلال” الردع: كما في الحرب الباردة الأولى، توجد قوة عسكرية كافية لفرض حسابات الردع، لكن مع ساحات اشتباك جديدة (سيبراني/فضائي/اقتصادي).
لكن التقرير يؤكد في المقابل أن هناك اختلافات بنيوية تمنع الاستنساخ الحرفي لتجربة 1945–1991.
ثانيًا: أين يختلف المشهد عن الحرب الباردة الأولى؟
1) الترابط الاقتصادي… سلاح ذو حدّين
على خلاف القطيعة شبه التامة بين واشنطن وموسكو سابقًا، ترتبط الولايات المتحدة والصين اليوم بتجارة وسلاسل توريد واستثمارات وتكنولوجيا تصنيع. هذا الترابط يخلق قيودًا على التصعيد لأنه يرفع كلفة الانفجار، لكنه أيضًا يخلق أدوات ابتزاز: قيود تصدير، عقوبات، حروب شرائح ومعادن نادرة، وإعادة توطين صناعات استراتيجية.
2) التكنولوجيا ليست “قطاعًا” بل “بنية قوة”
في الحرب الباردة الأولى كان سباق السلاح النووي والفضاء هو العنوان. أما الآن فالتكنولوجيا من الشرائح إلى الذكاء الاصطناعي إلى الاتصالات صارت منصة السيادة: من يضع المعايير ويمسك بسلاسل القيمة يملك نفوذًا يفوق النفوذ العسكري في كثير من الأحيان.
3) العالم ليس ثنائيًا بالكامل
سابقًا كان الاستقطاب واضحًا: كتلتان وتحالفات شبه مغلقة. اليوم هناك قوى وسطى وإقليمية (الهند، تركيا، البرازيل، إندونيسيا… إلخ) تستطيع “تعديل المسار” بدل الاكتفاء بالاصطفاف. وهذه السيولة تجعل المنافسة أكثر تعقيدًا وأقل قابلية للتنبؤ.
ثالثًا: ما الذي قد يكون “مغفَلًا” أو يحتاج توسعة مقارنةً بأهمية المرحلة؟
التقرير قوي في إطار “أصداء التاريخ”، لكنه يترك مساحات تحتاج إضاءة أوسع—خصوصًا للقارئ العربي الذي يهمه أثر المنافسة على المنطقة:
1) “الجنوب العالمي” كساحة الحسم
في الحرب الباردة الأولى كان “العالم الثالث” ميدان اختبار للنماذج والتحالفات. اليوم يعود هذا الدور لكن بأدوات مختلفة: التمويل، البنية التحتية، الموانئ، الطاقة، التعليم، الاتصالات. وتزداد أهمية هذه الساحة لأن الصين توسّع نفوذها عبر الاقتصاد وربط الأسواق والمعايير، لا عبر التحالفات العسكرية التقليدية فقط. (وهذا المحور توسّعت فيه Foreign Affairs لاحقًا في ملفات أخرى تخص أفريقيا مثلًا، ما يعكس مركزية “الجنوب العالمي” في التنافس).
2) مخاطر “الخطأ وسوء التقدير”
أخطر ما في المنافسات الكبرى ليس قرار الحرب، بل سوء قراءة الإشارات: حادث بحري/جوي قرب تايوان أو بحر الصين، هجوم سيبراني يُفهم كعمل دولة، أو تصعيد اقتصادي يتحول إلى صدام سياسي. هذه السيناريوهات تُدار غالبًا عبر قنوات اتصال وإجراءات منع الاحتكاك وهي تفاصيل تشغيلية قد لا تحظى بما يكفي من التركيز في المقاربات التاريخية العامة.
3) حرب السرديات والإعلام
اليوم لا تُحسم المعارك فقط بالأساطيل، بل بالرواية: من يملك سردية “الشرعية”، ومن يحدد صورة الخصم عالميًا، ومن يربح الرأي العام في الدول المتأرجحة. هذا “الميدان الرمزي” أصبح بالغ التأثير مع المنصات الرقمية وتراجع الثقة بالإعلام التقليدي.
أين تقع الدول العربية من هذه التكتلات؟
هنا بيت القصيد. المنطقة العربية ليست “طرفًا هامشيًا”، بل تقع عند تقاطع ثلاث قيم استراتيجية: الطاقة، الممرات البحرية، والاستثمار/التكنولوجيا. لذلك ستكون أغلب الدول العربية أمام معادلة دقيقة: تحالفات أمنية تاريخية مع واشنطن مقابل شراكات اقتصادية متسارعة مع بكين.
1) الخليج العربي: “أمن أمريكي” و“اقتصاد آسيوي”
• أمنيًا: ما زالت الولايات المتحدة لاعبًا مركزيًا في مظلة الردع وحماية الملاحة وتوازنات السلاح.
• اقتصاديًا: الصين شريك رئيسي في الطاقة والتجارة، ومع توسع مشاريع البنية التحتية والتكنولوجيا قد تزداد حساسيات واشنطن تجاه بعض المجالات (الاتصالات المتقدمة، البيانات، الذكاء الاصطناعي، سلاسل الإمداد).
النتيجة: دول الخليج ستسعى غالبًا إلى موازنة ذكية: تعظيم المكاسب الاقتصادية مع الصين دون كسر متطلبات الشراكة الأمنية مع الولايات المتحدة وتطوير قدرات محلية تقلّل الاعتماد على طرف واحد.
2) المشرق العربي: هامش مناورة أقل… وكلفة اضطراب أعلى
بلدان المشرق أكثر حساسية للصدمات (طاقة، غذاء، نزاعات، لاجئون). أي تصعيد عالمي ينعكس سريعًا على الأسعار والتمويل والاستقرار. لذلك قد تميل بعض العواصم إلى سياسة “تقليل المخاطر” بدل الرهان الكامل على محور واحد، خصوصًا إذا ارتفعت كلفة الاستقطاب على الاقتصاد المحلي.
3) شمال أفريقيا: “بوابة أوروبا” وتنافس على الاستثمار
قرب شمال أفريقيا من أوروبا يجعلها ساحة لشدٍّ اقتصادي وتنموي: الاستثمارات، الطاقة المتجددة، الموانئ، وسلاسل الإمداد القريبة من السوق الأوروبية. في هذا السياق، قد يظهر شكل “تنافس ناعم” بين الشراكات الغربية من جهة والعروض الصينية من جهة أخرى مع عامل ثالث هو دول الخليج نفسها كمستثمر وشريك.
4) ما الذي تريده الدول العربية عمليًا؟
أغلب الدول العربية لا تريد “الانضمام إلى كتلة” بقدر ما تريد:
• ضمانات أمنية واستقرار إقليمي
• استثمارات وتكنولوجيا ونقل معرفة
• أسواق لصادراتها (طاقة/بتروكيماويات/سياحة/خدمات)
• هامش سيادة في القرار الخارجي
وهذا يعني أن “الموقع العربي” الأقرب للواقع هو موقع الموازِن (Balancer): الاستفادة من الطرفين، وتقليل فرص التحول إلى ساحة صراع بالوكالة.
ما الاستراتيجية العربية الواقعية في زمن الحرب الباردة الجديدة؟
يمكن تلخيصها في 5 مسارات عملية:
1. تحييد التكنولوجيا الحساسة: الفصل بين التعاون التجاري العام وبين ملفات الاتصالات/البيانات/المنصات السيادية التي تثير حساسيات أمنية.
2. تنويع الشراكات: عدم حصر البنية التحتية والتمويل والرقمنة في قناة واحدة.
3. تعزيز الأمن الاقتصادي: غذاء، دواء، معادن/مواد أولية، وخطط طوارئ لسلاسل الإمداد.
4. دبلوماسية الممرات البحرية والطاقة: تحويل الموقع الجغرافي إلى مصدر نفوذ تفاوضي لا إلى نقطة ضعف.
5. الاستثمار في القدرات المحلية: لأن أفضل تحيّز هو تقليل الاعتماد أصلًا (صناعة، رقمنة، تعليم، بحث وتطوير).
تقرير Foreign Affairs يقدّم إطارًا مهمًا: نحن أمام منافسة تشبه الحرب الباردة في “الطول والحدة”، لكنها مختلفة في “الأدوات والبنية”.
أما الدول العربية، فهي ليست خارج اللعبة: هي في قلبها، بحكم الجغرافيا والموارد والأسواق. والتحدي ليس اختيار معسكر بقدر ما هو إدارة التوازن: كسب الاقتصاد دون خسارة الأمن، وتطوير السيادة الرقمية دون استفزاز الاصطفافات، وتحصين الداخل ضد ارتدادات صراع الكبار.
اقرأ أيضًا:
صادق خان يشيد بشجاعة زهران ممداني في مواجهة الإسلاموفوبيا أثناء توليه عمدة نيويورك

