عاد مستقبل المملكة المتحدة وترتيباتها الدستورية إلى واجهة النقاش السياسي، في ظل تحركات متزامنة للقوى القومية في اسكتلندا وويلز وأيرلندا الشمالية، ومطالب متزايدة بمنح شعوب الأقاليم الثلاثة دوراً أكبر في تحديد مستقبل علاقاتها مع لندن.
وشهدت العاصمة الويلزية كارديف، الاثنين، اجتماعاً جمع الوزير الأول لاسكتلندا وزعيم الحزب القومي الاسكتلندي جون سويني، والوزير الأول لويلز وزعيم حزب «بلايد كامري» رون أب إيورورث، والوزيرة الأولى لأيرلندا الشمالية ميشيل أونيل، التي تشغل أيضاً منصب نائبة رئيس حزب «شين فين».
وأكد القادة، رغم اختلاف الأوضاع الدستورية والسياسية في أقاليمهم، مبدأ حق شعوب اسكتلندا وويلز وأيرلندا الشمالية في تقرير مستقبلها، في وقت تتزايد فيه المناقشات بشأن طبيعة العلاقة بين الحكومات المحلية والحكومة المركزية في لندن.
وتزامن الاجتماع مع توقيع حكومتي اسكتلندا وويلز «اتفاق كارديف»، الذي يهدف إلى تعزيز التعاون بين الجانبين في عدد من المجالات، من بينها الاقتصاد وتكاليف المعيشة ومكافحة فقر الأطفال والتغير المناخي والعلاقات الدولية والتعاون مع الاتحاد الأوروبي.
وقالت الحكومة الاسكتلندية إن الاتفاق يستند كذلك إلى موقف مشترك يعتبر أن شعبي اسكتلندا وويلز يجب أن يتمكنا من تحديد مستقبلهما الدستوري، مع التأكيد على أن المسارين السياسيين في البلدين ليسا متطابقين.
اسكتلندا تعيد طرح الاستفتاء
وتبقى اسكتلندا في مقدمة الملفات الدستورية التي تواجه الحكومة البريطانية، بعدما نشرت الحكومة الاسكتلندية في 28 أغسطس مشروع قانون لاستفتاء جديد حول الاستقلال، يتضمن سؤال الناخبين عما إذا كان ينبغي أن تصبح اسكتلندا دولة مستقلة.
غير أن إجراء استفتاء جديد يواجه عقبات قانونية ودستورية، إذ تحتاج الحكومة الاسكتلندية إلى الصلاحيات اللازمة للمضي في استفتاء يتمتع بأساس قانوني معترف به.
وكان الاسكتلنديون قد صوتوا في استفتاء سبتمبر 2014 بنسبة 55.3 في المئة لصالح البقاء ضمن المملكة المتحدة، مقابل 44.7 في المئة أيدوا الاستقلال.
ومنذ ذلك الحين، أعاد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي تشكيل جانب من النقاش السياسي في اسكتلندا، خصوصاً أن غالبية الناخبين الاسكتلنديين صوتوا في استفتاء عام 2016 لصالح البقاء في الاتحاد الأوروبي.
ويعتبر الحزب القومي الاسكتلندي أن هذه المتغيرات تبرر منح الاسكتلنديين فرصة جديدة لتحديد مستقبلهم، بينما تؤكد القوى المؤيدة للاتحاد أن نتيجة استفتاء 2014 يجب احترامها.
ويلز.. نقاش متصاعد دون أغلبية واضحة للاستقلال
وفي ويلز، اكتسب النقاش حول مستقبل العلاقة مع المملكة المتحدة زخماً سياسياً إضافياً بعد وصول زعيم حزب «بلايد كامري» رون أب إيورورث إلى رئاسة الحكومة الويلزية في مايو الماضي.
ويؤيد الحزب استقلال ويلز على المدى الطويل، إلا أن استطلاعات الرأي لا تشير في الوقت الراهن إلى وجود أغلبية شعبية تؤيد الانفصال عن المملكة المتحدة.
وكانت استطلاعات أجرتها مؤسسة «يوغوف» قبل انتخابات البرلمان الويلزي قد أظهرت أن نسبة مؤيدي الاستقلال لا تزال أقل بصورة واضحة من نسبة المؤيدين للبقاء ضمن المملكة المتحدة، ما يجعل الوضع الويلزي مختلفاً عن المشهد السياسي في اسكتلندا.
أيرلندا الشمالية ومسار دستوري مختلف
أما في أيرلندا الشمالية، فيرتبط النقاش حول المستقبل الدستوري بمسألة إعادة توحيد الجزيرة الأيرلندية.
ويدعو حزب «شين فين»، الذي تنتمي إليه الوزيرة الأولى ميشيل أونيل، إلى إقامة أيرلندا موحدة، إلا أن هذا الملف يخضع لترتيبات مختلفة عن اسكتلندا وويلز، ترتبط باتفاق الجمعة العظيمة الموقع عام 1998.
وينص الإطار الذي أرساه الاتفاق على إمكانية تغيير الوضع الدستوري لأيرلندا الشمالية بموافقة سكانها عبر استفتاء وفق الشروط القانونية المعمول بها.
اختبار سياسي لوحدة المملكة المتحدة
ولا تعني التحركات الحالية وجود قرار بتفكيك المملكة المتحدة أو أن انفصال أي من أقاليمها أصبح وشيكاً، كما لا توجد عملية سياسية موحدة تجمع اسكتلندا وويلز وأيرلندا الشمالية للخروج من الاتحاد.
إلا أن تزامن تصاعد مطالب القوى القومية في الأقاليم الثلاثة يعكس تحولاً مهماً في النقاش السياسي البريطاني، بعدما كان ملف مستقبل الاتحاد خلال السنوات الماضية مرتبطاً بصورة أساسية باستقلال اسكتلندا.
وتواجه الحكومة البريطانية بذلك معادلة سياسية ودستورية تتعلق بكيفية التعامل مع مطالب توسيع صلاحيات الحكومات المحلية من جهة، والدعوات إلى تقرير المصير أو الاستقلال من جهة أخرى، مع المحافظة في الوقت نفسه على وحدة المملكة المتحدة.
وتتكون المملكة المتحدة حالياً من إنجلترا واسكتلندا وويلز وأيرلندا الشمالية، وتتمتع الأقاليم الثلاثة الأخيرة بدرجات متفاوتة من الحكم الذاتي ضمن نظام نقل الصلاحيات.
وبينما لا تشير المعطيات الحالية إلى تفكك وشيك للمملكة المتحدة، فإن التطورات الأخيرة تعيد طرح سؤال مستقبل الاتحاد البريطاني على المدى البعيد، خصوصاً إذا استمرت المطالب بإجراء استفتاء جديد في اسكتلندا وتصاعد النقاش حول الاستقلال في ويلز والوحدة الأيرلندية في أيرلندا الشمالية.
اقرأ أيضًا:
هزة أرضية بقوة ١.٩ درجة تهز مدينة إنسبروك النمساوية دون أضرار

