الأحد - 2025/11/30 7:29:57 مساءً

NE

News Elementor

هذا الموقع بــرعاية

استعراض لرؤية David Brooks حول «عدم اليقين» في العالم المعاصر

ترجمة وتكييف لمقارباته المنشورة بمجلة The New York Times

تمهيد: لماذا «عدم اليقين» اليوم؟

في مقالة له بعنوان «Never before have I been so uncertain about the future»، يعبّر David Brooks عن شعور متنامٍ بـ الغموض والخوف حيال مستقبل الولايات المتحدة والعالم.
يرصد مجموعة من الظواهر التي، في رأيه، تجعل المشهد العالمي أقل استقراراً من أي وقت مضى: الذكاء الاصطناعي، الفقاعات المالية، تراجع الديمقراطيات، صعود الأوتوقراطيات، تفوّق الصين التقني، وتكسّر المعايير الثقافية.
تُعدّ هذه المقاربة تأكيداً على أن التحديات التي تواجهها المجتمعات اليوم “ليست مجرد مشاكل فردية أو سياسية”، بل هي جزء من تحوّل هيكلي في الطريقة التي نفهم بها المستقبل.

الأبعاد الرئيسية في تحليل بروكس

أ) الثورة التكنولوجية والذكاء الاصطناعي
بروكس يشير إلى أن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد أداة جديدة، بل يمثل تغيّراً كليّاً في طبيعة العمل، المعرفة، وحتى القيم. عندما يتحدّث عن “الذكاء التوليدي” والقدرات التي تفتك بوظائف الإنسان أو تغيّرها جذرياً، فهو لا يتحدّث عن نطاق تقنية فقط، بل عن بُنية وجودية جديدة.
وهذا التغيير، في نظره، يولّد “اضطراباً وجودياً” أي ليس فقط هل سأفقد وظيفتي؟ بل هل سيبقى لي دورٌ معنى فيه في المستقبل؟

ب) تراجع الديمقراطية وصعود الأوتوقراطيات
بروكس يرى أن المجتمعات الليبرالية المألوفة تمرّ بمرحلة “ما بعد اليقين” حيث لم تعد بديهيتها السياسية مقبولة للجميع. هذا التراجع يقود إلى الفراغ في القيادة، ثم إلى ملء الفراغ من قبل أنظمة أقوى أو أكثر شراسة.
وبالتالي، يسلّط الضوء على أن مخاطر الديمقراطية اليوم ليست فقط من خارجها، بل من انتكاسها الذاتي ضعف المؤسسات، انقسام الجمهور، انتشار الأخبار الزائفة، وفقدان الثقة في الحكومات.

ج) الصين، روسيا، والتحوّل الجيو-تقني
من بين النقاط التي يطرحها بروكس: “تفوق الصين العلمي والتكنولوجي المفاجئ”. هذا التفوق لا يُقاس بمجالات عسكرية فقط، بل بقدرتها على الابتكار، السيطرة على سلاسل الإمداد، وتأثيرها في المعادلات العالمية.
وهذا يؤدي إلى سؤال وجودي: هل سيظل النظام الليبرالي الغربي المتفوّق بقيادته الاقتصادية والتكنولوجية كما هو؟ أو هل سيشهد “انخفاضاً مفاجئاً”؟

د) الثقافة، التعليم، والتغيّرات الاجتماعية
بروكس لا يغفل “التغيير الصامت” في الثقافة مثل تراجع مهارات القراءة، الانقسام الثقافي داخل المجتمعات، وتحول السلطة من المؤسسات التقليدية إلى المنصّات الرقمية. هذه المطالب الثقافية، في نظره، تُشكّل الجانب الأقل دراماتيكية، لكن ربما الأكثر تأثيراً في المدى البعيد.

ماذا تعني هذه الرؤية للمستخدم الكويتي / الخليجي؟

بصفتي أعلم بأنك تهتم بالمشهد الكلي والاتجاهات العالمية، فإن تحليل بروكس يحمل ما يلي:
• من منظار الاستثمار أو القرار الاستراتيجي: إذا كان الذكاء الاصطناعي وتحولات التكنولوجيا ستحقّق “تغييرات هيكلية”، فإن المؤسسات الخليجية بما في ذلك الكويت تحتاج إلى بناء نموذج مرن لا يعتمد فقط على الموارد الطبيعية، بل على الابتكار، التعليم، والاعتماد الذاتي.
• من منظار الشراكة الدولية: تفوّق الصين أو الصعود الروسي يعني أن خيارات الشرق الأوسط لن تظل محكومة فقط بـ “الشراكة مع الولايات المتحدة”، بل ستُعاد صياغتها ضمن نظام متعدد الأقطاب. رؤية بروكس تؤكد أن الشرق الأوسط يحتاج أن يكون مستعداً لعالم “ما بعد الهيمنة الغربية”.
• من منظار الثقافة والسياسة المحلية: ما يحدث في الغرب تراجع الثقة، الانقسام، التحوّل السريع هو تحذير للمجتمعات الخليجية أيضاً لبناء مؤسّسات تعليمية وثقافية قوية، لأن الهوية المعرفية والثقافية ستكون في المستقبل أحد أقوى التميّزات.

النقد أو التحفظ على رؤية بروكس

رغم عمق تحليل بروكس، هناك بعض التحفّظات التي تحتاج الإشارة:
• أ) قد يُنظر إليه على أنه يميل نحو التشاؤم أو التشويه أكثر من التحليل المتوازن التركيز على “ما قد نُخسره” أكثر من “ما قد نربحه”.
• ب) بعض الانتقادات تقول إنه يقلّل من قدرة المجتمعات على التكيّف والتحول أي أن يعامل التحوّلات الكبرى كـ “نهائية” أو “محفوفة بالكارثة”، بينما الواقع قد يحمل فرصاً كبيرة أيضاً.
• ج) طرحه للفوارق التقنية والجيو-سياسية قد لا يأخذ في الحسبان التنوع المحلي والخصوصيات الثقافية التي قد تمنح الدول الصغيرة أو الناشئة ميزة مرنة في هذا العالم المتحوّل.

أسئلة مفتوحة للمستقبل

• هل ستتمكّن الديمقراطيات من إصلاح نفسها قبل أن يفقد الجمهور ثقتَه بالكامل؟
• هل سيخرج الذكاء الاصطناعي من نطاق محتكر إلى نطاق تشارُكي يعزّز القدرات البشرية بدلاً من استبدالها؟
• هل الشرق الأوسط، وبشكل خاص دول الخليج، ستتحول من “مستفيد” من النظام الغربي إلى “شريك فاعل” في النموذج الجديد؟
• كيف يمكن للثقافة والتعليم أن يصبحا محوراً استراتيجياً بدل أن يكونا تبعاً للتكنولوجيا أو للاقتصاد؟

خاتمة

تحليل David Brooks للرؤية العالمية يحاول أن يقول: اليقين لم يعد خياراً، لكن التكيّف مع عدم اليقين هو الأداء الأهم.
ومن هذا المنطلق، الدول، المؤسسات، حتى الأفراد كلّهم يُدعَون لبناء مقاومة معرفية، قدرات ابتكارية، وثقة ثقافية تكفل أن يكونوا لا متفرّجين في التحوّل، بل فاعلين فيه.

اقرأ ايضًا :

استقالة مارجوري تايلور غرين والانقسام الجمهوري حول نفوذ AIPAC

الاكثر قراءة

اشترك معنا

برعايـــة

حقوق النشر محفوظة لـ أخبار الكويت © 2025
تم تصميمه و تطويره بواسطة

www.enogeek.com