تُعقد قمة مجموعة العشرين (G20) لأول مرة على أرضٍ إفريقية، في جوهانسبرغ، لكن «الكرسي الفارغ» للولايات المتحدة تحوّل إلى العنوان الأبرز للقمة، وأثار أسئلة أعمق من مجرد خلافٍ بروتوكولي حول مستوى التمثيل. فقرار إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب مقاطعة القمة بالكامل لا يمكن قراءته كخطوة معزولة، بل كمؤشّر على تحوّل في طريقة تعامل واشنطن مع دول الجنوب، ومع جنوب أفريقيا تحديدًا.
هذا التحليل يحاول تفكيك طبقات القرار الأميركي: من الأسباب المعلنة، إلى الخلفيات غير المعلنة المرتبطة بقضية فلسطين، وصولًا إلى انعكاساته على مستقبل النظام الدولي ودول المنطقة، ومنها الخليج.
أولًا: الأسباب المعلنة… حقوق «المزارعين البيض» وأجندة القمة
رسميًا، برّرت واشنطن قرار المقاطعة عبر محورين رئيسيين:
1. الادعاء بوجود انتهاكات ممنهجة ضد الأقلية البيضاء (الأفريكانرز) في جنوب أفريقيا، خصوصًا المزارعين البيض، وربط ذلك بسياسات إصلاح الأراضي التي تتبناها الحكومة في بريتوريا. الرئيس ترامب تحدّث صراحة عن «استهداف» و«قتل» لمزارعين بيض ومصادرة أراضيهم، وهي رواية تعتبرها الحكومة الجنوب أفريقية «مشوّهة ومبالغًا فيها»، وتشير تقارير دولية إلى أن مزاعم «إبادة جماعية للبيض» لا تستند إلى بيانات موثوقة، بل تُستثمر في خطاب الهوية واليمين العالمي. 
2. التحفّظ على أجندة القمة التي ركّزت على قضايا المناخ، والعدالة الاجتماعية، والجنوب العالمي، وتمويل التنمية والتحوّل الأخضر. الولايات المتحدة رأت أن القمة تتحوّل إلى منصة لطرح «رؤية بديلة» للنظام الاقتصادي الدولي، بزعامة دول الجنوب، بعيدًا عن الأولويات الأميركية التقليدية في التجارة والأمن والطاقة. 
كما انتقدت إدارة ترامب مسار المفاوضات داخل مجموعة العشرين، خصوصًا بعد توصل مبعوثي الدول إلى مسودة بيان لقادة القمة من دون مشاركة أميركية، ووصفت واشنطن ذلك بأنه «خرق لتقليد الإجماع» داخل المجموعة. 
لكن الاكتفاء بهذه الأسباب يقدّم صورة ناقصة؛ فالتوتر الأميركي–الجنوب أفريقي أعمق من ملف «المزارعين البيض» أو خلاف على فقرة في بيان ختامي.
ثانيًا: القضية الفلسطينية ومحكمة العدل الدولية… السبب غير المعلن
من بين العوامل الأعمق التي تُلقي بظلالها على قرار المقاطعة، يبرز ملف القضية التي رفعتها جنوب أفريقيا ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية، متهمةً إياها بارتكاب جريمة الإبادة الجماعية بحق الفلسطينيين في غزة. 
هذه الخطوة لم تكن قانونية فقط، بل سياسية ورمزية في آنٍ معًا:
• جنوب أفريقيا قدّمت نفسها باعتبارها وريثة تجربة النضال ضد الأبارتهايد، وتتعامل مع القضية الفلسطينية كامتداد أخلاقي وتاريخي لمعركتها ضد نظام الفصل العنصري السابق.
• في المقابل، ترى واشنطن أن تحريك ملف «الإبادة الجماعية» ضد إسرائيل يمسّ شرعية سياستها في دعم تل أبيب عسكريًا وسياسيًا، ويثير احتمالات خطيرة حول إمكانية اتهام دول أخرى من بينها الولايات المتحدة بـ«التواطؤ» أو «الفشل في منع الإبادة»، كما حذّرت مراكز أبحاث قانونية غربية. 
من هذا المنظور، تبدو مقاطعة قمة العشرين في جنوب أفريقيا جزءًا من ردّ سياسي غير مباشر على جرأة بريتوريا في تحدّي إسرائيل وحلفائها داخل أرفع محكمة دولية، وليس مجرد خلاف حول ملف داخلي أو أجندة مؤتمر.
ثالثًا: جنوب أفريقيا… من «حالة داخلية» إلى قائد رمزي للجنوب العالمي
ما يثير حساسية واشنطن ليس فقط ما تفعله جنوب أفريقيا، بل المكان الذي تختار أن تفعله فيه:
• استضافة أول قمة لمجموعة العشرين في إفريقيا.
• استخدام منصة G20 لتعزيز خطاب «الجنوب العالمي»، وإعادة طرح قضايا مثل إصلاح النظام المالي الدولي، الديون، التمويل المناخي، والتحوّل في الطاقة من زاوية مصالح الدول النامية. 
بهذا المعنى، تحاول جنوب أفريقيا أن تقول للعالم:
«لسنا فقط دولة نامية تبحث عن مساعدات، بل لاعب سياسي يمتلك رؤية، ويملك أيضًا إرثًا نضاليًا يمنحه شرعية أخلاقية في الحديث عن فلسطين والعدالة الدولية».
هذا الدور الجديد يصطدم مع رؤية أميركية حذِرة من بروز مراكز ثقل بديلة داخل النظام الدولي، خصوصًا عندما تجتمع قضايا مثل فلسطين، المناخ، والديون في خطاب واحد يحمّل الغرب مسؤولية تاريخية وأخلاقية.
رابعًا: المقاطعة بين التكتيك الانتخابي والعزلة الإستراتيجية
في الداخل الأميركي، يبدو قرار المقاطعة منسجمًا مع نمط خطاب إدارة ترامب:
• مخاطبة القاعدة اليمينية المحافظة من بوابة قضايا الهوية والعرق (الدفاع عن المزارعين البيض، رفض «اليسار العالمي»).
• تقديم المقاطعة على أنها رفض للأنظمة التي لا تحترم «قيم الغرب»، رغم أن الانتقادات المتبادلة بين الطرفين تكشف أن كل طرف يتهم الآخر بالانحياز والتسييس.
لكن على المستوى الإستراتيجي، تحذّر تحليلات أميركية مستقلة من أن عزوف الولايات المتحدة عن المشاركة في منتدى بحجم العشرين يضعف قدرتها على التأثير في ملفات تمويل التنمية، وإصلاح النظام المالي، وسياسات المناخ، ويترك فراغًا تملؤه قوى أخرى مثل الصين، الهند، وبلدان الجنوب. 
بمعنى آخر: ما قد يبدو مكسبًا تكتيكيًا في الداخل الأميركي، قد يتحوّل إلى خسارة إستراتيجية في معركة النفوذ على خريطة العالم.
خاتمة: مقعد فارغ… ولكن برسائل ممتلئة
مقاطعة الولايات المتحدة لقمة العشرين في جنوب أفريقيا ليست «سوء تفاهم دبلوماسيًا» ولا مجرد احتجاج على فقرة في بيان أو خلاف بروتوكولي.
إنها رسالة سياسية متعددة الطبقات:
• عقاب ضمني لجنوب أفريقيا على جرأتها في ملف فلسطين.
• اعتراض على أجندة «الجنوب العالمي» التي تتحدّى بنية النظام الاقتصادي الدولي.
• وتوظيف انتخابي داخلي في واشنطن يخاطب قواعد معيّنة في المجتمع الأميركي.
في المقابل، تستثمر جنوب أفريقيا هذا الغياب لتأكيد أنها قادرة على قيادة نقاش عالمي من دون الوصاية الأميركية التقليدية، وأن القضية الفلسطينية يمكن أن تكون جزءًا من أجندة قمة اقتصادية عالمية، وليست ملفًا هامشيًا أو ثانويًا.
اقرأ ايضًا :
الأمم المتحدة تعيد إحياء مسار حلّ الدولتين عبر مؤتمر دولي وقرار جديد لمجلس الأمن

