عاد ملف جائحة كورونا إلى واجهة المشهد السياسي الأمريكي مجدداً بعد الإفراج عن دفعة جديدة من الوثائق السرية المتعلقة بمنشأ الفيروس، في خطوة أثارت عاصفة من الجدل داخل الولايات المتحدة وأعادت تسليط الضوء على الدور الذي لعبه كبار المسؤولين الصحيين خلال السنوات الأولى من الجائحة.
وتضمنت الوثائق التي رفعت عنها السرية مراسلات وتقارير داخلية تتعلق بالنقاشات الحكومية والعلمية حول مصدر فيروس «كوفيد-19»، إضافة إلى معلومات مرتبطة بتمويل أبحاث علمية أجريت في معهد ووهان لعلم الفيروسات بالصين، وهو الملف الذي شكل محوراً للخلاف السياسي بين الجمهوريين والديمقراطيين منذ اندلاع الجائحة.
وتتركز الأنظار بشكل خاص على الدكتور أنتوني فاوتشي، المستشار الصحي السابق للبيت الأبيض، والذي يعد أحد أبرز الوجوه التي أدارت الاستجابة الأمريكية للجائحة. ويقول منتقدوه إن الوثائق الجديدة تثير تساؤلات إضافية بشأن مدى شفافية المعلومات المقدمة للرأي العام والكونغرس، بينما يواصل فاوتشي نفي أي مخالفات قانونية أو محاولة للتأثير على نتائج التحقيقات العلمية.
ورغم الضجة السياسية المصاحبة لنشر الوثائق، فإن الجهات الرسمية لم تعلن حتى الآن عن وجود أدلة قاطعة تدين فاوتشي أو تثبت ارتكابه أي جريمة، كما لم تصدر أحكام قضائية بحقه تتعلق بملف كورونا.
بايدن تحت المجهر
ولم يقتصر الجدل على فاوتشي وحده، بل امتد إلى الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن، الذي يواجه انتقادات من خصومه السياسيين بسبب ما يعتبره الجمهوريون تأخيراً في الكشف عن بعض الوثائق المتعلقة بأصول الجائحة.
كما عاد الحديث مجدداً عن قرار العفو الاستباقي الذي أصدره بايدن لصالح فاوتشي قبل مغادرته البيت الأبيض، وهو القرار الذي أثار جدلاً واسعاً في الأوساط القانونية والسياسية الأمريكية، رغم عدم صدور أي حكم قضائي يطعن في شرعيته حتى الآن.
أزمة ثقة متجددة
ويرى مراقبون أن القضية تتجاوز مجرد البحث عن منشأ فيروس كورونا، لتلامس واحدة من أكبر أزمات الثقة بين المؤسسات الحكومية والرأي العام الأمريكي خلال العقود الأخيرة.
فبعد أكثر من ست سنوات على ظهور الجائحة، لا تزال الأجهزة الأمريكية منقسمة بشأن المصدر الحقيقي للفيروس، إذ ترجح بعض الجهات فرضية التسرب من مختبر، بينما ترى جهات أخرى أن الأدلة المتوافرة لا تسمح بحسم المسألة بشكل نهائي.
ويؤكد محللون أن إعادة فتح الملف في هذا التوقيت تحمل أبعاداً سياسية تتجاوز الجانب العلمي، خصوصاً مع تصاعد الاستقطاب الحزبي في واشنطن واقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
أسئلة بلا إجابات
وبينما يطالب أعضاء في الكونغرس بمزيد من التحقيقات وكشف الوثائق المتبقية، تبقى أسئلة عديدة دون إجابات حاسمة: هل أخفت المؤسسات الأمريكية معلومات مهمة عن الرأي العام؟ وهل كان الجدل العلمي حول منشأ الفيروس خاضعاً لضغوط سياسية؟ أم أن ما يجري اليوم يمثل جزءاً من معركة سياسية مستمرة بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي؟
وفي انتظار ما ستكشفه التحقيقات والوثائق المقبلة، يبدو أن ملف كورونا لم يغادر الساحة الأمريكية بعد، وأن تداعياته السياسية قد تستمر لسنوات طويلة، حتى بعد انحسار الجائحة نفسها.
اقرأ أيضًا:
إيران تعفي السفن من رسوم عبور مضيق هرمز خلال فترة التفاهم مع واشنطن

