في السياسة الأمريكية، ليس غريباً أن تتبدل النبرة بتبدل المنابر. لكن ما يلفت الانتباه في حالة السيناتور الجمهوري ليندسي جراهام هو اتساع الفجوة بين ما يقوله داخل واشنطن وما يروّج له خارجها، خصوصاً في جولاته الخليجية. فالرجل الذي يقدم نفسه في المنطقة بوصفه شريكاً للاستقرار والتعاون الاقتصادي، يعود إلى الداخل الأمريكي بخطاب أكثر حدّة وأقرب إلى قاموس “الصقور” التقليدي.
جراهام، الذي بنى مسيرته السياسية منذ 2003 على عقيدة الردع العسكري القوي والتحالفات الأمنية الصلبة، لم يُخفِ يوماً دعمه لسياسات القوة في الشرق الأوسط. غير أن التناقض لا يكمن في ثبات مواقفه بقدر ما يظهر في طريقة تسويقها. ففي الخليج، تتقدم مفردات الشراكة والازدهار، بينما في واشنطن تطغى لغة الضغط والتصعيد، ما يثير تساؤلات مشروعة حول ما إذا كان هذا التباين دبلوماسية براغماتية أم ازدواجاً سياسياً محسوباً.
منتقدو جراهام يرون أن خطابه الخارجي مصمم لطمأنة الحلفاء الاقتصاديين، في حين أن خطابه الداخلي موجّه لقاعدة حزبية محافظة ما زالت تتجاوب مع الطرح الأمني المتشدد. هذه القراءة تزداد قوة في ظل التحولات العميقة داخل الحزب الجمهوري نفسه، حيث لم يعد الإجماع التقليدي حول التدخلات الخارجية قائماً كما كان قبل عقدين.
فصعود تيار “أمريكا أولاً” أعاد خلط الأوراق داخل الحزب، وخلق مزاجاً جمهورياً أكثر حذراً من الانخراط العسكري المفتوح. هذا التحول يضع مدرسة جراهام تحت ضغط متزايد، ليس من الديمقراطيين فحسب، بل من داخل البيت الجمهوري ذاته. وبالنسبة لكثير من المحافظين الجدد، لم تعد وصفة الردع العسكري الشامل تلقى القبول نفسه بعد تجربتي العراق وأفغانستان.
في ملف إيران وغزة، بقي جراهام وفياً لنهجه الصلب والتأييد المطلق للكيان المحتل، داعماً أقصى درجات الضغط والتحالفات الأمنية. لكن المشكلة أن البيئة الدولية تغيّرت جذرياً. فواشنطن اليوم تتحرك في عالم أكثر تعددية، مع حضور متصاعد لقوى كبرى أخرى، ومع شهية أمريكية أقل لتحمل كلفة صراعات طويلة. تجاهل هذه المعادلة يجعل خطاب القوة يبدو، في نظر منتقديه، أقرب إلى تفكير ينتمي لمرحلة سابقة.
ورغم أن جراهام لا يزال يتمتع بقاعدة انتخابية قوية في ساوث كارولاينا، فإن المؤشرات الاستراتيجية داخل الحزب الجمهوري لا تسير بالضرورة في صالح مدرسته. فالحزب الذي احتضن “صقوره” لعقود يعيد اليوم تعريف أولوياته، بين قومية اقتصادية صاعدة وتعب شعبي من الحروب البعيدة.
المفارقة أن جراهام لم يتغير كثيراً لكن الأرض السياسية من حوله تتحرك بسرعة. وبين خطاب خارجي ناعم نسبياً ونبرة داخلية أكثر تشدداً، يواجه السيناتور الجمهوري اختباراً سياسياً قصير الأمد: هل يستطيع إعادة صياغة رسالته بما ينسجم مع الحزب الجمهوري المتحوّل، أم سيبقى أحد أبرز وجوه مدرسة تتآكل تدريجياً داخل واشنطن؟

