الأربعاء - 2026/02/04 5:26:57 صباحًا

NE

News Elementor

هذا الموقع بــرعاية

كيموندا… حين فشلت ألمانيا في حماية قلبها التكنولوجي

لم يكن إفلاس شركة شرائح الذاكرة الألمانية كيموندا (Qimonda AG) عام 2009 مجرد خبر اقتصادي عابر، بل شكّل لحظة مفصلية كشفت مبكراً عن فشل ألماني وأوروبي في إدراك الطبيعة الاستراتيجية لصناعة أشباه الموصلات. وبعد أكثر من عقد ونصف، تبدو تلك اللحظة اليوم كإنذار ضائع سبق التحولات الكبرى التي أعادت رسم خريطة القوة التكنولوجية في العالم.

كانت كيموندا، التي وُلدت عام 2006 من رحم شركة «إنفينيون»، واحدة من أعمدة صناعة ذاكرة الوصول العشوائي (DRAM) عالمياً. امتلكت خبرات بشرية متقدمة، ومراكز بحث وإنتاج، وحضوراً قوياً في الأسواق العالمية. ومع ذلك، عندما ضربت الأزمة المالية العالمية في 2008 وتهاوت أسعار شرائح الذاكرة، وجدت الشركة نفسها وحيدة في مواجهة عاصفة مزدوجة: انهيار السوق وتردد الدولة.

في تلك اللحظة الحرجة، فشلت السياسة الصناعية الألمانية في اتخاذ قرار حاسم. انشغلت برلين بنقاشات الكلفة والجدوى، واعتُبر إنقاذ شركة تكنولوجية كبرى «مغامرة مالية»، لا استثماراً في الأمن الاقتصادي. والنتيجة كانت واضحة: إعلان الإفلاس في يناير 2009، وتبخر أحد أهم أصول ألمانيا التقنية في قطاع حيوي.

ما أعقب الإفلاس كان أكثر دلالة. توقفت خطوط الإنتاج، وتفككت الأصول، وانتقلت أجزاء من المعرفة والخبرة إلى الخارج. استحواذ شركات آسيوية، بينها مجموعات صينية، على مراكز بحث وتطوير تابعة لكيموندا لم يكن مجرد صفقة تجارية، بل رمزاً لتحول مركز الثقل الصناعي من أوروبا إلى آسيا. ففي الوقت الذي ترددت فيه ألمانيا، كانت دول أخرى تبني استراتيجيات دعم طويلة الأمد لصناعة الشرائح، مدركة أنها ليست صناعة عادية، بل قاعدة لكل اقتصاد رقمي وسيادي.

تجربة كيموندا تكشف جوهر المشكلة: الاعتماد المفرط على منطق السوق في قطاع لا يعمل بمنطق السوق وحده. أشباه الموصلات ليست سيارات أو سلعاً استهلاكية، بل بنية تحتية غير مرئية تتحكم في كل شيء، من الهواتف الذكية إلى الدفاع والطاقة والذكاء الاصطناعي. تجاهل هذه الحقيقة كلف ألمانيا وأوروبا سنوات من التراجع والارتهان لسلاسل توريد خارجية.

اليوم، ومع سباق عالمي محموم لإعادة توطين صناعة الشرائح، تحاول ألمانيا تعويض ما فات عبر استثمارات بمليارات اليوروهات وحوافز حكومية ضخمة. لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل كان يمكن تفادي كل ذلك لو أُديرت لحظة كيموندا بعقل استراتيجي لا محاسبي؟

كيموندا ليست مجرد قصة شركة فشلت، بل مرآة لمرحلة كاملة من القصور في الرؤية الصناعية الألمانية. وهي تذكير قاسٍ بأن التفوق التكنولوجي لا يُحفظ بالحياد ولا بالتردد، بل بقرارات جريئة تُتخذ في أحلك الأوقات، قبل أن يتحول الخطأ الصغير إلى خسارة تاريخية.

برعايـــة

حقوق النشر محفوظة لـ أخبار الكويت © 2025
تم تصميمه و تطويره بواسطة

www.enogeek.com