الخميس - 2026/01/22 8:02:12 مساءً

NE

News Elementor

هذا الموقع بــرعاية

كندا بين واشنطن وبكين: تحوّل استراتيجي يعيد تشكيل النظام التجاري العالمي

يشكّل التوجّه الكندي المتسارع نحو الصين في عام 2026 محطة مفصلية في تاريخ السياسة الخارجية لأوتاوا، ويعكس تحوّلًا أعمق في موازين الاقتصاد العالمي. فزيارة رئيس الوزراء الكندي مارك كارني إلى بكين لم تكن مجرّد خطوة دبلوماسية تقليدية، بل إعلانًا صريحًا عن إعادة تموضع استراتيجي يهدف إلى تقليص الاعتماد التاريخي على الولايات المتحدة، وبناء شبكة علاقات تجارية أكثر تنوّعًا واستقرارًا.

من التحالف التقليدي إلى البراغماتية الاقتصادية

لطالما شكّلت الولايات المتحدة الشريك التجاري الأول لكندا، في إطار علاقة جغرافية وسياسية واقتصادية متشابكة. غير أن السياسات التجارية التي انتهجها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ولا سيما فرض الرسوم الجمركية على صناعات كندية أساسية، أحدثت تصدّعًا واضحًا في الثقة المتبادلة. فالتقلّب في القرارات، وتحويل التجارة إلى أداة ضغط سياسي، دفعا صناع القرار الكنديين إلى البحث عن بدائل أكثر قابلية للتنبؤ.

في هذا السياق، برزت الصين بوصفها شريكًا اقتصاديًا ضخمًا يمتلك سوقًا واسعة وسياسات تجارية أكثر استقرارًا من وجهة النظر الكندية، بعيدًا عن منطق الرسوم المفاجئة والتصعيد السياسي.

كندا ليست حالة منفردة

لا يمكن قراءة التحوّل الكندي بمعزل عن السياق الدولي الأوسع. فدول أوروبية عدة باتت تنظر بقلق متزايد إلى النهج الأميركي، وتسعى في المقابل إلى توسيع علاقاتها الاقتصادية مع بكين. وقد سرّع الاتحاد الأوروبي بالفعل خطواته نحو إبرام اتفاقيات تجارية جديدة، في محاولة لتقليل الاعتماد على اقتصاد واحد وتحصين سلاسل الإمداد من الصدمات السياسية.

وتشير استطلاعات رأي دولية إلى تراجع الصورة الإيجابية للولايات المتحدة على الصعيد العالمي، مقابل تحسّن نسبي في النظرة إلى الصين باعتبارها قوة أكثر هدوءًا وبراغماتية في إدارة العلاقات الاقتصادية الدولية.

عودة إلى مسار سابق ولكن بظروف جديدة
ورغم الطابع المفاجئ للتحوّل الحالي، فإن العلاقات الاقتصادية بين كندا والصين ليست وليدة اللحظة. فقد شهدت فترة رئاسة الوزراء السابقة في كندا توسعًا ملحوظًا في التبادل التجاري مع بكين، أسهم بشكل مباشر في دعم النمو الاقتصادي الكندي. إلا أن الفارق اليوم يتمثل في طبيعة البيئة الدولية: عالم أكثر استقطابًا، وأسواق أقل تسامحًا مع الاضطرابات السياسية والاقتصادية.

تصورات مستقبلية: ما الذي ينتظر المرحلة المقبلة؟

تفتح الاتفاقات التجارية الجديدة بين كندا والصين، بما في ذلك تخفيض الرسوم على السيارات الكهربائية والمنتجات الزراعية، الباب أمام واقع اقتصادي جديد في أميركا الشمالية. ومن شأن دخول منتجات صينية متقدمة إلى هذه الأسواق أن يفرض تحديات مباشرة على الصناعة الأميركية، ويضع واشنطن أمام خيارات صعبة بين التكيّف مع التعددية التجارية أو المضي نحو مزيد من السياسات الحمائية.

وعلى المدى المتوسط، يُتوقع أن تعتمد كندا سياسة تنويع الشراكات بدل استبدال شريك بآخر، في محاولة للحفاظ على توازن دقيق بين مصالحها الاقتصادية والتزاماتها السياسية. أما على المدى البعيد، فقد يعكس هذا التحول بداية مرحلة عالمية جديدة تتراجع فيها هيمنة المحاور التقليدية، لصالح شبكة مصالح مرنة تقودها البراغماتية الاقتصادية لا التحالفات الجامدة.

ما تشهده الساحة الدولية اليوم ليس مجرد تعديل في بوصلة السياسة الكندية، بل مؤشر واضح على إعادة تشكيل النظام التجاري العالمي. وإذا استمرت الدول المتوسطة في انتهاج هذا المسار، فإن العالم قد يتجه نحو نظام أكثر تعددية، يكون فيه الاستقرار الاقتصادي مرهونًا بالقدرة على التكيّف، لا بفرض الإرادة.

برعايـــة

حقوق النشر محفوظة لـ أخبار الكويت © 2025
تم تصميمه و تطويره بواسطة

www.enogeek.com