الخميس - 2026/01/22 2:44:12 صباحًا

NE

News Elementor

هذا الموقع بــرعاية

غرينلاند وفلسطين… حين تسقط الأقنعة وتتكشّف ازدواجية المعايير الأوروبية

في لحظة سياسية واحدة، كشفت أوروبا عن وجهين متناقضين.
وجهٌ صلب وحازم في الدفاع عن غرينلاند بوصفها أرضًا لا يجوز المساس بسيادتها، ووجهٌ متردّد أو متواطئ حين يتعلّق الأمر بـ فلسطين، حيث تُنتهك السيادة يوميًا وتُقوَّض الحقوق تحت سمع وبصر المجتمع الدولي. هذا التناقض لم يعد مجرّد انطباع عربي أو نقد أيديولوجي، بل أصبح حقيقة سياسية عارية فرضتها تصريحات ومواقف أوروبية رسمية في منتدى دافوس وما تلاه.

غرينلاند: سيادة “مقدسة” وخط أحمر أوروبي

حين طُرحت فكرة السيطرة الأميركية على غرينلاند، تحرّكت أوروبا بسرعة لافتة.
فرنسا أعلنت بوضوح أن العالم ليس في زمن الاستعمار الجديد، وأن السيادة لا تُناقش بل تُحترم. ألمانيا شددت على القانون الدولي وحق الشعوب في تقرير مصيرها. بريطانيا، رغم حساسيتها الخاصة مع واشنطن، انضمت إلى الخط العام: مستقبل غرينلاند يحدده سكانها وحدهم.

لم يكن الخطاب الأوروبي هنا رمزيًا. فقد ترافقت التصريحات مع تهديدات باستخدام أدوات اقتصادية وتجارية، في رسالة واضحة مفادها أن المساس بالسيادة الأوروبية، ولو عبر “حليف”، أمر غير مقبول.

فلسطين: سيادة مؤجلة وحقوق مشروطة

في المقابل، يقف المشهد الفلسطيني كمرآة معاكسة تمامًا.
عقود من الاحتلال، والاستيطان، والحصار، وتدمير البنى التحتية، وسقوط آلاف المدنيين، لم تدفع أوروبا إلى لغة الحزم ذاتها. بل على العكس، تحوّل القانون الدولي إلى نصّ انتقائي، يُستدعى في البيانات ويُعلّق في الممارسة.
• ألمانيا، التي تتصدر الدفاع عن “حق إسرائيل في الأمن”، نادرًا ما تضع حق الفلسطيني في الحياة والحرية في المعادلة نفسها، بل تجعل الدعم شبه مطلق، حتى حين تُنتهك قواعد الحرب بوضوح.
• بريطانيا، صاحبة الدور التاريخي في مأساة فلسطين، تكتفي بدعوات “ضبط النفس”، بينما تواصل تزويد الكيان المحتل بالدعم السياسي والعسكري.
• فرنسا، التي تتحدث عن القانون الدولي في غرينلاند، تُفرغه من مضمونه حين يتعلّق بفلسطين، فتعترف نظريًا بحل الدولتين، لكنها لا تمارس ضغطًا فعليًا لوقف تقويضه.

المعيار المزدوج: القانون حين يخدم المصالح

ما كشفته المقارنة بين الملفين ليس اختلافًا في السياق فقط، بل ازدواجية معيارية صارخة:
• في غرينلاند:
السيادة مطلقة، القانون الدولي غير قابل للتأويل، والضغط الاقتصادي مشروع للدفاع عنها.
• في فلسطين:
السيادة مؤجلة، القانون الدولي مرن، والضغط يُستبدل بالصمت أو التبرير.

السؤال الذي يفرض نفسه:
هل السيادة قيمة عالمية، أم امتياز جغرافي؟
وهل القانون الدولي مبدأ ثابت، أم أداة سياسية تُستخدم حين تخدم مصالح الغرب؟

دافوس… لحظة انكشاف لا يمكن التراجع عنها

لم تصنع أزمة غرينلاند هذا التناقض، لكنها كشفته بوضوح غير مسبوق.
حين دافعت أوروبا عن غرينلاند بهذه السرعة والحزم، قدّمت من دون أن تقصد لائحة اتهام أخلاقية ضد نفسها في الملف الفلسطيني. فقد أثبتت أن القدرة على الضغط موجودة، وأن الإرادة السياسية تُستدعى حين يكون الطرف المعني أوروبيًا أو مرتبطًا مباشرة بالأمن الغربي.

غرينلاند ليست فلسطين، لكن المبدأ واحد:

إما أن تكون السيادة حقًا غير قابل للتجزئة، أو يصبح القانون الدولي مجرّد خطاب انتقائي.

ما بعد دافوس، لم تعد أوروبا قادرة على التحدّث عن “النظام الدولي القائم على القواعد” من دون أن تُسأل:
أي قواعد؟ ولمن؟

فحين تُحمى غرينلاند بالقانون، وتُترك فلسطين للقوة، لا يعود الحديث عن القيم سوى غطاءٍ هشّ… وقد سقط.

برعايـــة

حقوق النشر محفوظة لـ أخبار الكويت © 2025
تم تصميمه و تطويره بواسطة

www.enogeek.com