في ممرّات منتدى دافوس الاقتصادي العالمي 2026، لم يكن الجدل هذا العام اقتصاديًا بحتًا. فبين جلسات الاستثمار والطاقة، انفجر سجال سياسي حاد كشف تصدّعًا غير مسبوق داخل المعسكر الغربي، بعدما أعاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب طرح ملف غرينلاند بوصفه “قضية أمن قومي”، لتردّ عليه فرنسا وكندا بخطاب واضح عنوانه: السيادة ليست محل تفاوض، والتحالف لا يُدار بالضغط.
مشهد البداية: واشنطن تفتح الملف
من على منصة دافوس، قدّم ترامب غرينلاند باعتبارها حلقة أساسية في معادلة الأمن في القطب الشمالي، مشيرًا إلى أن الولايات المتحدة تتحمّل العبء الأكبر في حماية حلفائها داخل الناتو، وأن هذا الواقع يفرض من وجهة نظره مقاربات “أكثر واقعية” للسيطرة على النقاط الاستراتيجية. ورغم تأكيده أنه لا ينوي استخدام القوة العسكرية، فإن إعادة طرح الفكرة بهذا الوضوح أعادت إشعال أزمة سياسية كانت قد خمدت مؤقتًا.
ولم يتوقف الأمر عند البعد الأمني. فالرئيس الأميركي لمح، قبل دافوس وخلاله، إلى أن الأدوات الاقتصادية، بما فيها الرسوم الجمركية، قد تكون جزءًا من أسلوب التفاوض، في إشارة فهمها الأوروبيون على أنها ضغط مباشر على الحلفاء لا على الخصوم.
باريس تردّ: “لسنا في زمن إمبريالية جديدة”
الردّ الفرنسي جاء سريعًا وحازمًا. الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون استخدم منصة دافوس ليؤكد أن العالم لم يعد يعيش زمن الاستعمار أو الإمبريالية الجديدة، وأن سيادة الدول والأقاليم لا يمكن أن تُناقش بمنطق الصفقات أو التهديدات الاقتصادية. وأوضح أن غرينلاند، بوصفها إقليمًا يتمتع بالحكم الذاتي تحت السيادة الدنماركية، لا يملك أحد تقرير مصيرها سوى سكانها.
لكن خطاب ماكرون لم يكن أخلاقيًا فقط. فقد لمح بوضوح إلى أن الاتحاد الأوروبي يمتلك أدوات رد تجارية، معروفة إعلاميًا بـ“البازوكا التجارية”، يمكن تفعيلها إذا تحولت الرسوم الأميركية إلى وسيلة إكراه سياسي. الرسالة كانت واضحة: أوروبا لن تقف مكتوفة الأيدي إذا استُخدم الاقتصاد كسلاح ضدها.
كندا تدخل الخط: القواعد قبل الصفقات
على الضفة الأخرى من الأطلسي، اختارت كندا نبرة أقل حدّة لفظيًا لكنها لا تقل صرامة في المضمون. رئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو شدد على أن تغيير الحدود أو مصير الأراضي عبر الضغط الاقتصادي مرفوض، معتبرًا أن النظام الدولي القائم على القواعد هو الضامن الوحيد للاستقرار.
وفي كلماته، بدا ترودو وكأنه يقرأ ما وراء السطور الأميركية، محذرًا من أن فتح باب كهذا سيقود إلى عالم تُدار فيه العلاقات الدولية بمنطق القوة لا القانون. كما أكّد أن التحالف مع واشنطن لا يعني التخلي عن المبادئ، وأن احترام السيادة يظل حجر الزاوية في أي شراكة حقيقية.
ردّ ترامب: تهدئة محسوبة بلا تراجع
أمام هذا الاصطفاف الأوروبي الكندي، عاد ترامب ليخفف من حدّة خطابه. فأعاد التأكيد على أنه لا يسعى إلى عمل عسكري، وطرح فكرة “إطار تفاهم” داخل الناتو لمناقشة أمن القطب الشمالي. وفي خطوة فسّرها مراقبون على أنها تراجع تكتيكي، لمح إلى إمكانية العدول عن الرسوم الجمركية إذا تم التوصل إلى ترتيبات مرضية.
غير أن التهدئة لم تعنِ التراجع عن جوهر الموقف. فترامب ظلّ متمسكًا بفكرة أن الأمن الأميركي يمنحه حق إعادة طرح ملفات يعتبرها استراتيجية، حتى لو أثارت انزعاج الحلفاء.
ما وراء السجال: الاقتصاد كسلاح سياسي
ما كشفه دافوس لم يكن خلافًا على جزيرة فقط، بل تحولًا في طبيعة العلاقات داخل الغرب. فالتداخل بين الأمن والاقتصاد بات أوضح من أي وقت مضى، وأصبحت الرسوم الجمركية، وأدوات السوق، جزءًا من ترسانة الضغط السياسي حتى بين الحلفاء.
أوروبا، وبدعم كندي، بعثت برسالة مفادها أن هذا المسار يهدد جوهر التحالف الغربي، ويدفع باتجاه تسريع الحديث عن الاستقلالية الاستراتيجية. أما واشنطن، فبدت وكأنها تختبر حدود قوتها الاقتصادية داخل منظومة يفترض أنها قائمة على الشراكة لا الإكراه.
خاتمة المشهد
هكذا، خرج ملف غرينلاند من كواليس السياسة إلى واجهة دافوس، محولًا المنتدى من منصة اقتصادية إلى مسرح مواجهة سياسية ناعمة. لا حرب أُعلنت، ولا تحالف انهار، لكن ما انكشف كان أعمق: ثقة مهزوزة، وتحالف يُعاد تعريفه، وعالم غربي يختبر توازنه بين القوة والقانون.
اقرأ أيضًا:
نائب بريطاني يقترح مقاطعة كأس العالم ردًا على تحركات ترامب بشأن غرينلاند

