الأربعاء - 2026/02/04 2:15:14 صباحًا

NE

News Elementor

هذا الموقع بــرعاية

خطاب بلا أقنعة: مشروع السيطرة من النهر إلى البحر

في خطابه الأخير، لم يتحدث رئيس وزراء الكيان المحتل بنيامين نتنياهو كرجل دولة يبحث عن تسوية، بل كقائد مشروع استعماري مكتمل الأركان، يخلع القناع نهائيًا عن أي ادّعاء بالسلام، ويقدّم للعالم رؤية صريحة تقوم على القوة، والهيمنة، وإلغاء الوجود الفلسطيني سياسيًا وجغرافيًا وإنسانيًا.

الخطاب، الذي حاول أن يُغلَّف بلغة الأرقام والإنجازات الاقتصادية، لم يكن سوى تبرير فجّ للاحتلال. نتنياهو استعرض “نجاحات” اقتصاد الكيان المحتل: انخفاض الدين، تراجع البطالة، طاقة رخيصة من غاز مسروق من البحر، قطاع تكنولوجي مزدهر، وصناعات عسكرية تحقق أرقامًا قياسية. لكنه تجاهل حقيقة جوهرية: هذا الازدهار لم يُبنَ من فراغ، بل فوق أرض محتلة، وتحت حماية عسكرية، وبتمويل ودعم سياسي ومالي خارجي مستمر.

ثم انتقل الخطاب من الاقتصاد إلى الجوهر الحقيقي للمشروع: غزة لن تُعمر إلا بشروط الاحتلال، والدولة الفلسطينية “لن تقوم”، والسيطرة العسكرية ستبقى “من النهر إلى البحر”. هذه ليست زلات لسان، بل إعلان رسمي لنسف حل الدولتين، ودهس متعمد لكل قرارات الأمم المتحدة، واستهزاء علني باتفاقيات السلام، بما فيها تفاهمات شرم الشيخ التي يفترض أنها قامت على خفض التصعيد ومنع فرض الوقائع بالقوة.

الأخطر في الخطاب ليس ما قيل فقط، بل ما يعنيه. عندما يعرّف نتنياهو “السلام” باعتباره غياب الفلسطينيين أو إخضاعهم، فهو لا يطرح رؤية أمنية، بل مشروع تطهير سياسي طويل الأمد. سلامه ليس تعايشًا، بل إدارة دائمة للاحتلال بالقوة، حيث تُحوَّل التنمية الاقتصادية إلى غطاء أخلاقي للسيطرة، ويُطلب من العالم أن يصفق للأرقام بينما يُغضّ الطرف عن الإنسان.

ورغم خطورة هذه التصريحات، مرّ الخطاب بصمت مريب في الإعلام الغربي السائد. نفس المنابر التي تكرر حديث “حل الدولتين” اكتفت بالتجاهل، وكأن إنكار الدولة الفلسطينية على لسان رأس السلطة في الكيان المحتل لا يستحق العنوان الأول. هذا الصمت ليس حيادًا، بل تواطؤ، لأنه يساهم في تضليل الرأي العام، ويمنح الاحتلال وقتًا إضافيًا لفرض أمر واقع لا رجعة فيه.

إن ما كُشف في هذا الخطاب هو الحقيقة العارية: لا نية للسلام، لا اعتراف بالحقوق، ولا احترام للشرعية الدولية. هناك فقط مشروع قوة، يرى في الأرض غنيمة، وفي الشعب الفلسطيني عائقًا يجب إزالته أو كسره. وكل حديث بعد ذلك عن “عملية سلام” يصبح كذبة سياسية كبرى، طالما بقي الاحتلال يعلن صراحةً أنه سيحكم من النهر إلى البحر.

الافتتاحية الصادقة اليوم ليست دعوة للمفاوضات الشكلية، بل إدانة واضحة لهذا المسار. فإما أن يقف العالم عند قرارات الأمم المتحدة، ويعيد الاعتبار لحل الدولتين كالتزام ملزم لا خيار انتقائي، أو يعترف بصمته أنه شريك في تحويل “السلام” إلى اسم آخر للحرب، والازدهار الاقتصادي إلى ستار دائم للاحتلال.

برعايـــة

حقوق النشر محفوظة لـ أخبار الكويت © 2025
تم تصميمه و تطويره بواسطة

www.enogeek.com