الخميس - 2026/01/15 5:07:07 مساءً

NE

News Elementor

هذا الموقع بــرعاية

حين يُعاد تشكيل الوعي بلا ضجيج

 

لم يعد التحكم في الإنسان يُمارَس عبر القهر المباشر أو الأوامر الصارخة، بل عبر مسارات أكثر هدوءًا وعمقًا، تُبنى ببطء وتعمل بصمت. ما نشهده اليوم ليس مؤامرة تقليدية، بقدر ما هي منظومة متكاملة لإعادة تشكيل الوعي، تبدأ من التعليم، وتمرّ بالتكنولوجيا والاقتصاد، وتنتهي عند الإعلام.

منذ الطفولة، يتعلّم الفرد في كثير من النماذج التعليمية أن الطاعة أهم من الفهم، وأن الحفظ أولى من التفكير. لم تُكافأ الأسئلة بوصفها أدوات معرفة، بل صُوِّرت أحيانًا كخروج عن المألوف أو تمرد غير مرغوب. هكذا نشأ جيل يتقن الإجابة النموذجية، لكنه يخشى الخروج عن النص، ومع الوقت أصبحت السلطة لا الحقيقة هي المرجع.

ثم جاءت التكنولوجيا لتكتمل الحلقة. فالمنصات الرقمية لم تُصمَّم بالضرورة لخدمة العقل، بقدر ما صُممت لاستنزاف الانتباه. الإشعارات المتواصلة، والتمرير اللانهائي، والمكافآت الخوارزمية، خلقت دورة إدمان واضحة: انتباه، ثم دفعة دوبامين، ثم تكرار. وفي هذا الضجيج المستمر، تآكل الصمت الداخلي، وضعفت القدرة على التركيز، وأصبح العقل المشتّت أسهل توجيهًا وأكثر قابلية للتأثير.

أما الاقتصاد، فتحوّل فيه المال من أداة إلى وسيلة ضبط. الدَّين ربط البقاء بالسداد الدائم، والعمل فقد معناه كقيمة أو رسالة، ليصبح مجرد وسيلة لتفادي الانهيار المالي. وحين يصبح الاستقرار مرهونًا بالدخل وحده، يحلّ الخوف محلّ الحرية، وتُقايَض الخيارات بالأمان الهش.

وجاء الإعلام ليُغلق الدائرة. لم يُقدَّم الواقع كاملًا، بل مُعاد صياغته. ما يُعرض يُختار بعناية، وما يُكرر يترسخ، حتى يبدو وكأنه الحقيقة الكاملة. تُبسَّط القضايا في قوالب سهلة الهضم، وتُقدَّم العاطفة على الفهم، والسرعة على العمق. ومع التكرار، تتشكّل القناعات لا لأن الصورة مكتملة، بل لأنها مألوفة.

الخلاصة أن ما يحدث ليس صدفة. إنه تراكم خيارات وأنظمة صنعت إنسانًا مطيعًا، مشتّتًا، مثقلًا بالخوف، وموجَّهًا عبر السرديات. غير أن الإدراك يظلّ نقطة البداية. فاستعادة التفكير النقدي، وحماية الانتباه، وفك الارتباط بالخوف المالي، والبحث عن مصادر متعددة للمعلومة، كلها خطوات أولى نحو استعادة ما سُلب بصمت من خلال القدرة على التفكير الحر.

برعايـــة

حقوق النشر محفوظة لـ أخبار الكويت © 2025
تم تصميمه و تطويره بواسطة

www.enogeek.com