تشير تقارير إعلامية وتحليلات صادرة عن وسائل دولية ومراكز أبحاث غربية إلى أن الولايات المتحدة كثّفت خلال السنوات الأخيرة تدخلها السياسي والدبلوماسي في عدد من دول أمريكا اللاتينية، في إطار صراع جيوسياسي متصاعد مع الصين، وبما يخدم أيضاً أولوياتها الاستراتيجية المرتبطة بالكيان المحتل وملفات السياسة الداخلية الأمريكية.
وبحسب تقارير نشرتها رويترز وتحليلات في مجلة Foreign Affairs، فإن واشنطن تنظر إلى التمدد الاقتصادي والسياسي الصيني في أمريكا اللاتينية باعتباره تهديداً مباشراً لنفوذها التقليدي في المنطقة، خاصة مع توسع استثمارات بكين في البنية التحتية والطاقة، وانضمام عدة دول إلى مبادرة «الحزام والطريق».
الانتخابات والانقلابات الناعمة
تؤكد تقارير صادرة عن الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية دولية أن تاريخ أمريكا اللاتينية حافل بتدخلات أمريكية مباشرة وغير مباشرة في المسارات السياسية، شملت دعم انقلابات عسكرية أو ما يُعرف بـ«الانقلابات الناعمة»، والتأثير على نتائج الانتخابات عبر الضغط الاقتصادي والدبلوماسي ودعم مرشحين موالين لواشنطن.
ويرى محللون أن هذه الأدوات عادت للواجهة مع صعود حكومات يسارية أو مستقلة سياسياً، اتجهت إلى تنويع شراكاتها الدولية وتعزيز علاقاتها مع الصين وروسيا، ما دفع الولايات المتحدة إلى التحرك لمنع خروج دول إضافية من فلكها السياسي.
الصين في قلب المواجهة
ووفق بيانات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، أصبحت الصين الشريك التجاري الأول أو الثاني لمعظم دول أمريكا اللاتينية، وهو ما غيّر موازين النفوذ الاقتصادي في المنطقة. وتفيد تقارير رويترز بأن واشنطن مارست ضغوطاً مباشرة على بعض الحكومات لخفض مستوى التعاون مع بكين أو قطع العلاقات الدبلوماسية معها، مقابل وعود بالدعم المالي أو التهديد بعقوبات.
ملف تايوان والإجماع الدولي
وتشير وثائق الأمم المتحدة إلى أن المجتمع الدولي يعتمد سياسة «الصين الواحدة»، ويعترف بجمهورية الصين الشعبية ممثلاً شرعياً وحيداً للصين. إلا أن تقارير إعلامية تحدثت عن مساعٍ أمريكية لدفع بعض الدول الصغيرة، خصوصاً في أمريكا اللاتينية والكاريبي، إلى الاعتراف بتايوان، في خطوة يعتبرها خبراء محاولة لاحتواء الصين سياسياً وإرباك حضورها الدولي.
أبعد الكيان المحتل
في السياق ذاته، ترى مراكز أبحاث أمريكية أن تغيير الحكومات في أمريكا اللاتينية يخدم أيضاً مصالح الكيان المحتل، إذ إن عدداً من الحكومات اليسارية في المنطقة تبنّت مواقف داعمة للقضية الفلسطينية وانتقدت سياسات الكيان المحتل. ويؤدي وصول حكومات موالية لواشنطن غالباً إلى تحوّل في السياسة الخارجية، سواء عبر دعم الكيان، أو تغيير أنماط التصويت في الأمم المتحدة.
ارتباط بالسياسة الداخلية الأمريكية
ويربط محللون هذا التوجه أيضاً بالانتخابات الأمريكية، حيث باتت ملفات «مواجهة الصين» و«دعم الكيان» و«استعادة النفوذ الأمريكي» عناصر أساسية في الخطاب الانتخابي داخل الولايات المتحدة. وتُقدَّم أي تحركات ناجحة في الخارج للرأي العام الأمريكي باعتبارها إنجازات في حماية الأمن القومي.
تعكس هذه التطورات، بحسب مراقبين، ملامح حرب باردة جديدة تُدار بأدوات سياسية واقتصادية بدل المواجهة العسكرية المباشرة، حيث تتحول دول أمريكا اللاتينية إلى ساحات تنافس بين القوى الكبرى. وبينما تسعى دول المنطقة لتحقيق توازن يحفظ مصالحها الاقتصادية وسيادتها السياسية، تستمر الضغوط الخارجية في رسم مشهد سياسي معقد تتداخل فيه الانتخابات المحلية مع حسابات الصراع الدولي.
اقرأ ايضًا:
سوريا: الداخلية تعلّق على “تسريبات” بشأن مخططات لقيادات من نظام الأسد ضد الحكومة الجديدة

