شهدت أعمال المنتدى الاقتصادي العالمي تطورًا لافتًا في موقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب تجاه ملف غرينلاند، بعدما انتقل من خطاب تصعيدي يلوّح بالسيطرة الكاملة على الإقليم، إلى طرح أكثر مرونة يركّز على حقوق التعدين والمعادن الاستراتيجية فقط، في خطوة ربطها مراقبون مباشرة بالتقلبات الحادة التي تشهدها الأسواق المالية الأميركية.
وبحسب تحليلات متداولة في أروقة المنتدى، جاء هذا التحول في وقت حساس للأسواق، مع ارتفاع عوائد السندات الحكومية الأميركية، وتراجع قيمة الدولار، وضغوط قوية على مؤشرات الأسهم، ما أثار مخاوف من تعقيد تمويل الإنفاق الفدرالي والمشاريع الاستراتيجية الكبرى، بما في ذلك مصانع أشباه الموصلات ومراكز البيانات.
ضغوط مالية تدفع إلى إعادة الحسابات
أشارت مصادر اقتصادية غربية، من بينها تقارير وكالة رويترز وصحيفة فايننشال تايمز، إلى أن استمرار ارتفاع العوائد يهدد قدرة الحكومة الأميركية والقطاع الخاص على الاقتراض، وهو ما قد ينعكس سلبًا على النمو الاقتصادي والاستثمار، خاصة في ظل اعتماد قطاعات واسعة من الاقتصاد الأميركي على زخم أسواق المال لدعم الإنفاق الاستهلاكي.
ويرى محللون أن الاكتفاء بالمطالبة بحقوق المعادن في غرينلاند يمثّل حلًا مؤقتًا يسمح للإدارة الأميركية بتخفيف الضغوط السياسية والدبلوماسية، مع إبقاء الملف مفتوحًا لمرحلة سياسية لاحقة، بدلًا من المضي في مواجهة مباشرة مع أوروبا.
توتر أوروبي – أميركي في دافوس
في المقابل، كشفت جلسات دافوس عن تصاعد التوتر بين واشنطن والعواصم الأوروبية، بعد انتقادات حادة وُجهت إلى الاتحاد الأوروبي بسبب سياساته التجارية وعلاقته مع الصين. وأفادت مصادر حضرت الاجتماعات بأن بعض التصريحات الأميركية قوبلت بردود فعل غاضبة، وصلت إلى انسحابات رمزية من جلسات مغلقة، من بينها مغادرة رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد إحدى المناقشات، بحسب ما نقلته وسائل إعلام أوروبية.
وأكد البنك المركزي الأوروبي في أكثر من مناسبة أن أوروبا باتت أكثر حذرًا من الارتهان للسياسات النقدية والمالية الأميركية، في ظل مخاوف من تضخم مستورد وتآكل القدرة التنافسية.
تحوّل في استثمارات السندات
وتزامن ذلك مع تقارير عن شروع مؤسسات أوروبية، بينها صناديق تقاعد كبرى في شمال أوروبا، في تقليص حيازاتها من سندات الخزانة الأميركية، مقابل زيادة الانكشاف على سندات مقوّمة باليوان الصيني، في خطوة اعتبرها محللون جزءًا من مسار أوسع نحو تقليص الاعتماد على الدولار وتنويع المخاطر، وفق بيانات نشرتها وكالة بلومبرغ ووسائل إعلام آسيوية.
مشهد اقتصادي متغير
ويخلص خبراء إلى أن ما جرى في دافوس يعكس مرحلة دقيقة يمر بها الاقتصاد العالمي، حيث باتت التحركات الجيوسياسية مرتبطة بشكل مباشر بردود فعل الأسواق، ما يدفع صناع القرار، وعلى رأسهم الرئيس الأميركي، إلى إعادة ضبط الخطاب والطموحات بما يتلاءم مع الواقع المالي المتقلب.

