السبت - 2026/02/07 11:29:11 مساءً

NE

News Elementor

هذا الموقع بــرعاية

الدولة العميقة بين أطروحة دوغين وملفات إبستين: قراءة هادئة في سردية «النظام العالمي الجديد»

يقدّم المفكر الروسي ألكسندر دوغين نقدًا فلسفيًا للغرب لا ينطلق من منطق المؤامرة، بل من تفكيك بنيوي للعلاقة بين القيم المعلنة وآليات القوة الفعلية. في هذا الإطار، يبرز مفهوم «الدولة العميقة» بوصفه توصيفًا لطبقات مؤسسية وشبكات نفوذ سياسية، اقتصادية، أمنية، وإعلامية تستمر في العمل بمعزل نسبي عن تغيّر الحكومات والانتخابات، وتؤثّر في مسارات القرار العام.

عند إسقاط هذا التحليل على قضية جيفري إبستين، يتّضح سبب اتساع الجدل. فالقضية لم تقتصر على جريمة فردية، بل كشفت بحسب كثير من المراقبين عن تداخل حساس بين المال والنفوذ والحماية المؤسسية، وعن بطء أو تعقيد في مسارات المساءلة حين تلامس التحقيقات دوائر عليا. هنا يلتقي التحليل الدوغيني مع تساؤلات داخلية في الغرب حول حدود استقلال القضاء، وشفافية المؤسسات، وقدرتها على تحييد النفوذ غير الرسمي.

ضمن هذا السياق، يُستدعى مفهوم «النظام العالمي الجديد» بوصفه إطارًا سياسيًا قيميًا تبنّته الولايات المتحدة والغرب بعد الحرب الباردة، يقوم على تعميم النموذج الليبرالي الديمقراطي، وتقديمه باعتباره الصيغة الأمثل للحكم الرشيد. غير أن التحدّي كما يشير نقّاد هذا المسار لا يكمن في المبادئ بحد ذاتها، بل في الفجوة المحتملة بين الخطاب والتطبيق، خاصة عندما تُدار الأزمات الأخلاقية الكبرى بآليات احتواء بدل المراجعة الشاملة.

من زاوية دبلوماسية تحليلية، لا يصح الجزم بأن «الدولة العميقة» تمثل كيانًا واحدًا متماسكًا، ولا أن كل إخفاق مؤسسي دليل على تواطؤ ممنهج. فالأنظمة الغربية ما تزال تضم مؤسسات رقابية وإعلامًا استقصائيًا أسهما في كشف الكثير من الحقائق. ومع ذلك، تُظهر بعض القضايا ومنها إبستين أن شبكات النفوذ قادرة أحيانًا على إبطاء العدالة أو تعقيدها، ما يضع مصداقية الخطاب الديمقراطي أمام اختبار صعب.

دوغين يذهب أبعد من ذلك، معتبرًا أن هذا التوتر البنيوي نتاج مرحلة ليبرالية متأخرة تُغلِّب الاستقرار والقوة الناعمة على المحاسبة الأخلاقية الصارمة، خصوصًا عندما تتقاطع الملفات مع مصالح استراتيجية أو رموز مؤثرة. ووفق هذا التحليل، تتحول الديمقراطية من منظومة قيم إلى أداة إدارة، تُستخدم بمرونة لفرض الأجندات خارجيًا، بينما تُدار الإخفاقات داخليًا بحسابات دقيقة.

الخلاصة أن إدخال مفهوم الدولة العميقة والنظام العالمي الجديد في قراءة ملفات إبستين لا ينبغي أن يُفهم كاتهام شمولي، بل كنقاش مشروع حول شفافية الحكم وحدود القوة غير المنتخبة داخل الأنظمة الحديثة. فالتحدّي الحقيقي أمام الغرب كما أمام غيره هو تعزيز الاتساق بين القيم التي يروّج لها عالميًا، والآليات التي يُدير بها أزماته داخليًا. وحده هذا الاتساق كفيل بتحويل الديمقراطية من خطاب مؤثّر إلى ممارسة مُقنِعة ومستدامة.

برعايـــة

حقوق النشر محفوظة لـ أخبار الكويت © 2025
تم تصميمه و تطويره بواسطة

www.enogeek.com