الأحد - 2026/01/18 9:06:28 مساءً

NE

News Elementor

هذا الموقع بــرعاية

افتتاحية تحليلية | أرقام صغيرة… ورسائل كبيرة في غرينلاند

ليست كل الأرقام أرقامًا، ولا كل التحركات تُقاس بعدد الجنود. هكذا يمكن قراءة الصورة المتداولة عن “نشر قوات أوروبية إضافية في غرينلاند”، حيث بدت الأعداد محدودة إلى حد يثير السخرية للوهلة الأولى، لكنها في الواقع تحمل دلالات سياسية وأمنية أعمق بكثير من ظاهرها.

غرينلاند، الإقليم الواقع تحت سيادة الدنمارك، لم تعد مجرد كتلة جليد نائية على هامش الجغرافيا، بل تحولت في السنوات الأخيرة إلى عقدة استراتيجية في قلب التنافس الدولي في القطب الشمالي. ومع تصاعد الحديث عن طرق ملاحة جديدة، وموارد طبيعية كامنة، وتوازنات ردع جديدة، بات الحضور في هذه المنطقة رسالة بحد ذاته، حتى وإن اقتصر على “جندي واحد”.

الأرقام المتداولة جندي من بريطانيا، اثنان من فنلندا، ثلاثة من السويد، وخمسة عشر من فرنسا  لا تعكس حشدًا عسكريًا بالمعنى التقليدي، ولا تشير إلى نية مواجهة مباشرة. وفق تقارير غربية وتحليلات صادرة عن مراكز أبحاث أمنية، فإن هذه الأعداد تندرج ضمن مشاركات رمزية تشمل ضباط ارتباط، فرق تنسيق، أو عناصر فنية واستخباراتية، غالبًا في إطار التعاون مع حلف شمال الأطلسي.

المغزى الحقيقي لا يكمن في “كم جندي أُرسل”، بل في “من حضر”. فوجود دول أوروبية متعددة، ولو بأعداد ضئيلة، يعني أن غرينلاند لم تعد شأنًا دنماركيًا أمريكيًا فحسب، بل أصبحت مساحة اهتمام أوروبي جماعي، ورسالة مبطنة بأن القطب الشمالي بات جزءًا من حسابات الأمن الجماعي الغربي.

في هذا السياق، تبدو الأرقام الصغيرة لغة دبلوماسية عسكرية بحد ذاتها: حضور بلا استفزاز، ردع بلا تصعيد، وتأكيد موقف دون الانزلاق إلى سباق تسلح علني. إنها سياسة “الخط الرفيع” التي تعتمدها الدول الغربية في مناطق التماس الجيوسياسي، حيث يكفي التلويح بالوجود، لا تضخيمه.

وعلى عكس ما توحي به بعض القراءات المتسرعة، لا توجد حتى الآن مؤشرات على عسكرة واسعة لغرينلاند، ولا على تحويلها إلى قاعدة متقدمة لصراع مفتوح. بل إن التصريحات الرسمية من كوبنهاغن والناتو تؤكد أن الهدف هو تعزيز الجاهزية، وتبادل المعلومات، وضمان الاستقرار في منطقة تشهد تغيرات مناخية وجيوسياسية متسارعة.

الخلاصة أن هذه الأرقام، رغم ضآلتها، ليست عبثية ولا رمزية فارغة. إنها تعبير محسوب عن حضور سياسي أمني، ورسالة موجهة أكثر إلى العواصم الكبرى المنافسة منها إلى الرأي العام. ففي عالم اليوم، قد يكون “جندي واحد” كافيًا ليقول: نحن هنا… ونراقب.

وهكذا، تُثبت غرينلاند مرة أخرى أن الجغرافيا الصامتة قد تتحول فجأة إلى عنوان صاخب في معادلات القوة الدولية، وأن التفاصيل الصغيرة أحيانًا تكون أبلغ من الجيوش الجرارة.

اقرأ أيضًا:

زلزال في وزارة العدل الأمريكية: استقالات جماعية بعد خلاف حاد حول التحقيق في مقتل مواطنة!

برعايـــة

حقوق النشر محفوظة لـ أخبار الكويت © 2025
تم تصميمه و تطويره بواسطة

www.enogeek.com