الجمعة - 2026/01/30 4:14:40 مساءً

NE

News Elementor

هذا الموقع بــرعاية

أوروبا بين واشنطن وبكين… حين يصبح التوازن هو السياسة

لم يبدأ القلق الأوروبي من الولايات المتحدة بقرار معلن أو بخطاب تصعيدي، بل تسلّل بهدوء، مثل شكٍّ يتكوّن مع تراكم الأحداث. لسنوات طويلة، كانت العلاقة عبر الأطلسي تُعامل كأمر بديهي: أمن مقابل ولاء، واستقرار مقابل تبعية محسوبة. لكن العالم تغيّر، ومعه تغيّرت الحسابات.

في العواصم الأوروبية، لم تعد واشنطن تُقرأ فقط كحليف، بل كقوة كبرى لها أولوياتها الخاصة، التي قد تتقاطع مع المصالح الأوروبية اليوم، وتتصادم معها غدًا. هذا الإدراك لم يولد من فراغ، بل من ملفات متراكبة: ضرائب، دفاع، طاقة، تجارة، وممرات ملاحة، وصولًا إلى الذكاء الاصطناعي وشكل النظام العالمي القادم.

في قلب هذا التحوّل تقف ألمانيا. الدولة التي بنت قوتها على الاقتصاد والانضباط الصناعي وجدت نفسها فجأة أمام أسئلة وجودية: من يضمن أمن سلاسل الإمداد؟ من يحدد قواعد المنافسة الصناعية؟ ومن يملك قرار الحرب والسلم عندما تتشابك المصالح؟
برلين، التي دفعت ثمن الاعتماد المفرط على الطاقة الخارجية، باتت أكثر حساسية تجاه أي تبعية أحادية، سواء كانت روسية في الماضي أو أميركية في الحاضر.

على ضفاف بحر الشمال، تتجسّد هذه الأسئلة بشكل عملي. البحر الذي كان رمزًا للتجارة والطاقة أصبح مساحة استراتيجية مزدحمة: منصات طاقة، كابلات، ممرات ملاحة، وبنى تحتية لا تحتمل الصدمات. أي توتر هناك لا يُقرأ كحادث محلي، بل كتهديد مباشر للأمن الاقتصادي الأوروبي، ما يعزّز فكرة أن حماية المصالح لم تعد مسألة عسكرية فقط، بل اقتصادية وتقنية في آن واحد.

ومع الاقتصاد، برز ملف الضرائب. السياسات الأميركية الداعمة للصناعات المحلية، والإعفاءات الضريبية الضخمة، أعادت رسم خريطة المنافسة العالمية. الشركات الأوروبية والكندية وجدت نفسها أمام سوق أميركية مغلقة نسبيًا، فيما تفتح الصين أبوابها بسوق هائل، وقدرة تصنيع، وسلاسل توريد أقل اضطرابًا. هنا بدأ الانجذاب، لا بدافع الثقة السياسية، بل بدافع البراغماتية الباردة.

الصين، بالنسبة لأوروبا وكندا، لم تعد مجرد “خصم نظامي” كما تصفها بعض الوثائق، بل شريك اقتصادي لا يمكن تجاهله. في الطاقة المتجددة، المعادن النادرة، الذكاء الاصطناعي، والتكنولوجيا الصناعية، أصبحت بكين لاعبًا مركزيًا. تجاهلها يعني الخروج من السباق، والارتهان الكامل لواشنطن يعني خسارة هامش القرار.

وفي الذكاء الاصطناعي تحديدًا، تبدو أوروبا محاصَرة بين نموذجين: الهيمنة الأميركية القائمة على الشركات العملاقة والبيانات، والنموذج الصيني القائم على الدولة والتوسع السريع. السرد الأوروبي هنا ليس صداميًا، بل توازنيًا: تشريعات أخلاقية، تعاون انتقائي، ومحاولة للبقاء داخل السباق دون فقدان السيادة الرقمية.

لكن الأمن لا يغيب عن الصورة. نشاط الأسطول الشمالي الروسي، والمناورات البحرية الواسعة مثل عاصفة يوليو، يذكّران الأوروبيين بأن الجغرافيا لا ترحم. روسيا تمثّل تهديدًا مباشرًا، لكن الرد عليه لا يمكن أن يكون شيكًا على بياض لواشنطن، خصوصًا في ظل تغيّر المزاج السياسي الأميركي.

في الشرق الأوسط، تتعقّد الصورة أكثر. العلاقة الوثيقة بين الولايات المتحدة والكيان المحتل تضع الاتحاد الأوروبي في موقف أخلاقي وسياسي صعب، خاصة مع تصاعد النقاش حول الاعتراف بـ دولة فلسطين. هذا النقاش لم يعد هامشيًا، بل أصبح جزءًا من محاولة أوروبية لإظهار استقلالية القرار، حتى وإن كانت محدودة.

أما الحديث عن حرب أميركية محتملة ضد إيران دفاعًا عن الكيان المحتل، فيُقرأ أوروبيًا كتهديد شامل: اضطراب في الطاقة، خطر على الملاحة، وارتدادات اقتصادية لا تتحمّلها القارة في لحظة هشاشة عالمية.

وسط هذا المشهد، تتحرّك كندا بهدوء مشابه. قربها الجغرافي من الولايات المتحدة لم يمنعها من تنويع شراكاتها، خصوصًا مع الصين وأوروبا، إدراكًا منها أن العالم لم يعد يُدار من مركز واحد.

كل هذه الخيوط تلتقي عند مفهوم واحد يُتداول كثيرًا: النظام العالمي الجديد.
ليس نظامًا يولد دفعة واحدة، ولا انقلابًا على تحالفات قائمة، بل انتقالًا بطيئًا من اليقين إلى الشك، ومن التبعية إلى التوازن.

أوروبا وكندا لا تغادران المعسكر الأميركي، ولا تنتقلان إلى المعسكر الصيني، بل تحاولان المشي على خط دقيق: أمن مع واشنطن، اقتصاد مع بكين، واستقلال نسبي في القرار.
في هذا العالم، لم تعد القوة في الاصطفاف، بل في القدرة على المناورة. ولم يعد السؤال: من هو الحليف؟ بل: كيف نحمي مصالحنا في عالم لم يعد ثابتًا على حال.

برعايـــة

حقوق النشر محفوظة لـ أخبار الكويت © 2025
تم تصميمه و تطويره بواسطة

www.enogeek.com