الثلاثاء - 2026/01/27 2:34:10 مساءً

NE

News Elementor

هذا الموقع بــرعاية

أسطورة القومية المسيحية البيضاء الكبرى

في كل مرحلة اضطراب تمرّ بها الولايات المتحدة، يعود شبحٌ قديم بثوبٍ جديد: فكرة أن أمريكا «وُلدت» لتكون أمة مسيحية بيضاء، وأن أي انحراف عن هذا المسار هو خيانة للتاريخ والإيمان معًا. هذه الفكرة، التي يُطلق عليها اليوم اسم «القومية المسيحية البيضاء»، لا تُعدّ ظاهرة طارئة ولا نتاج لحظة سياسية عابرة، بل هي تيار راسخ في عمق التاريخ الأمريكي، يتكيّف مع الزمن ويغيّر لغته، لكنه يحتفظ بجوهره.

الأسطورة الأكبر في النقاش الدائر اليوم حول القومية المسيحية البيضاء هي الاعتقاد بأنها ظاهرة جديدة، وُلدت مع صعود دونالد ترامب أو انفجرت فجأة مع أحداث اقتحام الكونغرس في السادس من يناير عام ألفين وواحد وعشرين. هذه قراءة مريحة لكنها مضلِّلة. فالقومية المسيحية البيضاء أقدم من ذلك بكثير، وقد ظهرت بأشكال مختلفة كلما شعر جزء من المجتمع الأمريكي بأن نفوذه الثقافي أو الديني أو العرقي مهدَّد.

في صيف عام ألف وتسعمئة وخمسة عشر، وقف واعظ ميثودي سابق يُدعى ويليام جوزيف سيمونز أمام نافذة يتأمل السماء، وزعم أنه رأى رؤيا غامضة لفرسان يندفعون في الأفق وخلفهم تتشكل خريطة الولايات المتحدة. تلك الرؤيا ألهمته تأسيس تنظيم ديني ـ سياسي سيترك أثرًا بالغ الخطورة في التاريخ الأمريكي: منظمة كو كلوكس كلان. لم يكن هذا التنظيم مجرد جماعة عنف ترتدي أردية بيضاء وتُشعل الصلبان، بل حركة منظمة رفعت شعار «أمريكا أولًا»، واخترقت الكنائس، ووصل أعضاؤها إلى مناصب تشريعية وتنفيذية، وأسهمت في سن قوانين هجرة عنصرية هدفت إلى الحفاظ على هيمنة الأمريكي الأبيض الأنغلو-ساكسوني البروتستانتي.

صحيح أن هذا التنظيم تراجع لاحقًا وفقد نفوذه، لكن أفكاره لم تختفِ. بل أعادت إنتاج نفسها في أشكال جديدة، أقل فجاجة وأكثر قدرة على التسلل إلى الخطاب العام. وهنا تكمن خطورة القومية المسيحية البيضاء المعاصرة: فهي لا تظهر دائمًا كحركة عنيفة أو تنظيم سري، بل كخطاب «أخلاقي» يدّعي الدفاع عن القيم والأسرة والتقاليد، في مواجهة ما يصفه بأنّه تهديد ناتج عن التعددية والهجرة والعلمانية.

الجدل الحالي غالبًا ما يختزل القومية المسيحية البيضاء في كونها مشروعًا عنصريًا صرفًا، بينما يراها آخرون مجرد اتهام سياسي تُطلقه التيارات التقدمية ضد أي حضور للدين في المجال العام. والحجتان معًا لا يقدمان الصورة الكاملة. فهذه الأيديولوجيا ليست حكرًا على البيض وحدهم، ولا يعتنقها جميع المحافظين، كما أنها في الوقت نفسه ليست مجرد تعبير بريء عن التدين. إنها تصور هرمي للأمة، يضع المسيحي الأبيض في القمة، ويُخضع الآخرين ثقافيًا أو قانونيًا أو رمزيًا.

ما يمنح هذه الفكرة قدرتها على الاستمرار هو ادعاؤها الارتكاز على «حقيقة تاريخية» مفادها أن الولايات المتحدة كانت في الأصل أمة مسيحية متجانسة. غير أن هذا الادعاء يتجاهل عمدًا حقيقة أن الدستور الأمريكي خلا تمامًا من أي إشارة إلى الله أو الكتاب المقدس أو الوصايا العشر، وأن قادة الدولة في مراحل مفصلية من تاريخها رفضوا تحويلها إلى كيان ديني رسمي. فحتى خلال الحرب الأهلية، رفض الرئيس أبراهام لنكولن دعم دعوات رجال دين طالبت بإعلان الولايات المتحدة دولة مسيحية.

المفارقة أن الكيان الوحيد الذي أعلن نفسه صراحة «دولة مسيحية» كان الولايات الكونفدرالية الجنوبية، التي ارتبط اسمها بالعبودية والانقسام والحرب الأهلية. وقد اعتبر قادتها غياب اللغة الدينية عن الدستور الأمريكي دليلاً على انحراف الاتحاد، في حين رأى آخرون أن هذا الغياب هو جوهر فكرة الدولة الحديثة التي تضمن حرية المعتقد للجميع.

الأخطر من ذلك أن التاريخ يُظهر بوضوح أن القومية المسيحية البيضاء لم تكن فكرة بريئة أو نظرية مجردة. فقد استُخدمت لتبرير إبادة السكان الأصليين، ونهب أراضيهم، واستعباد ملايين الأفارقة، وفرض قوانين الفصل العنصري، ومقاومة الحقوق المدنية لعقود طويلة. هذا الإرث الدموي لا يمكن فصله عن الخطاب المعاصر، مهما حاول بعض منظّريه التبرؤ من الماضي أو الادعاء بأن ما جرى كان «سوء استخدام» للفكرة لا جوهرها.

اليوم، تعود القومية المسيحية البيضاء في سياق مختلف: مجتمع أكثر تنوعًا، ودولة تتغير ديموغرافيًا وثقافيًا، وعالم يتجه نحو الاعتراف بالاختلاف. في هذا السياق، تتحول الأيديولوجيا إلى خطاب مظلومية، يُصوّر الرجل الأبيض المسيحي كضحية لتقدم اجتماعي يُقصيه من مركز السلطة، ويجعل منه رمزًا لكل ما يُحمَّل مسؤولية الظلم التاريخي. وهنا تصبح المعركة ليست فقط حول الدين أو التاريخ، بل حول الهوية ومن يملك حق تعريف الأمة وحدودها.

إن فهم القومية المسيحية البيضاء لا يتحقق عبر شيطنة أتباعها فقط، ولا عبر التقليل من شأنها باعتبارها تيارًا هامشيًا، بل عبر إدراك أنها ظاهرة متكررة في التاريخ الأمريكي، تظهر كلما اهتزّ التوازن بين التعددية والحنين إلى الماضي. والخطر الحقيقي لا يكمن في وجود هذا التيار بحد ذاته، بل في تجاهل جذوره العميقة، أو التعامل معه كحدث عابر، بينما هو في الحقيقة اختبار دائم لقدرة الدولة الحديثة على الفصل بين الإيمان بوصفه حقًا فرديًا، والسلطة بوصفها مسؤولية عامة.

فليست المشكلة في أن يكون للأمريكيين إيمان، بل في أن يتحول هذا الإيمان إلى أداة إقصاء، وإلى مشروع سياسي يعيد إنتاج أساطير الماضي تحت مسميات جديدة. وتلك هي الأسطورة الكبرى التي يجب تفكيكها، لا إعادة تدويرها.

برعايـــة

حقوق النشر محفوظة لـ أخبار الكويت © 2025
تم تصميمه و تطويره بواسطة

www.enogeek.com