الكرة الكويتية لا ينقصها التاريخ ولا الموهبة.. لكنها تحتاج مشروع دولة يعيد «الأزرق» إلى مكانه الطبيعي
حين يخبرنا التصنيف الرسمي للاتحاد الدولي لكرة القدم «FIFA» أن المنتخب الكويتي يحتل اليوم المركز 133 عالمياً، بينما كان أعلى مركز وصل إليه في تاريخه هو المركز 24، فإننا لا نتحدث عن تراجع عابر في نتائج عدد من المباريات، ولا عن مدرب أخفق أو جيل لم يحالفه التوفيق.
نحن أمام مسافة تبلغ 109 مراكز بين القمة التاريخية والواقع الحالي.
والأهم من الرقم نفسه هو السؤال الذي يجب أن نطرحه بهدوء وصدق:
كيف وصلت كرة القدم الكويتية إلى هنا؟
وفق بيانات FIFA الرسمية، يحتل منتخب الكويت حالياً المركز 133، بينما يسجل تاريخه المركز 24 كأفضل ترتيب وصل إليه.
وهذه مقارنة مؤلمة لدولة لم تكن يوماً هامشية في تاريخ كرة القدم الآسيوية.
الكويت هي بطلة آسيا عام 1980، حين فاز الأزرق على كوريا الجنوبية بثلاثة أهداف نظيفة في النهائي. وهي الدولة الخليجية التي صنعت جيلاً ضم أسماء مثل جاسم يعقوب وفيصل الدخيل وفتحي كميل وعبدالعزيز العنبري وسعد الحوطي، ثم وصلت إلى نهائيات كأس العالم في إسبانيا عام 1982. كما شاركت الكويت في كرة القدم الأولمبية ثلاث مرات، ووصلت إلى ربع النهائي في أولمبياد 1980.
إذن نحن لا نسأل: لماذا لم تصبح الكويت دولة كروية؟
الكويت كانت بالفعل دولة كروية متقدمة.
السؤال الحقيقي هو: لماذا لم نستطع المحافظة على ما بنيناه؟
المشكلة أكبر من أحد عشر لاعباً
من السهل بعد كل خسارة أن نلوم اللاعبين.
ومن السهل إقالة المدرب والتعاقد مع مدرب آخر.
ومن السهل تغيير الجهاز الإداري، ثم الانتظار بضعة أشهر قبل أن تبدأ الدورة نفسها من جديد.
لكن كرة القدم الحديثة لا تُبنى بهذه الطريقة.
المنتخب الأول هو آخر حلقة في سلسلة طويلة تبدأ من الطفل في عمر 7 أو 8 سنوات، ثم الأكاديمية، ومدرب المراحل السنية، والمسابقات، والأندية، والاحتراف، والطب الرياضي، والتغذية، وتحليل الأداء، واكتشاف المواهب، وصولاً إلى المنتخب.
إذا كانت هذه السلسلة ضعيفة، فلن يستطيع أفضل مدرب في العالم إصلاح نتائجها خلال أشهر.
وهنا يجب أن نكون منصفين أيضاً: تراجع الكويت لم يحدث بسبب عامل واحد، ولا يجوز اختزاله في شخص أو مجلس إدارة أو مرحلة واحدة.
لقد تراكمت الأسباب عبر سنوات طويلة.
ومن أبرز المحطات التي لا يمكن تجاهلها الإيقاف الدولي الذي فرضه FIFA على الاتحاد الكويتي لكرة القدم في أكتوبر 2015، قبل رفعه في ديسمبر 2017 بعد تعديل الإطار القانوني الرياضي. وخلال الإيقاف حُرمت المنتخبات والأندية الكويتية من المشاركة الدولية، بل اعتُبرت مباراة الكويت وميانمار في تصفيات كأس العالم 2018 خاسرة بسبب عدم إقامتها أثناء فترة التعليق. وبعد رفع الإيقاف عيّن FIFA لجنة تسوية للاتحاد في يناير 2018 لمراجعة النظام الأساسي وتنظيم الانتخابات.
تلك السنوات لم تكن مجرد غياب عن بعض المباريات.
في كرة القدم، عندما يتوقف الاحتكاك الدولي ويتعطل التطور بينما يستمر الآخرون في العمل، فإن الفجوة تتسع بسرعة.
بينما كنا نتراجع.. الآخرون كانوا يتقدمون
وهذه ربما أهم نقطة يجب أن نفهمها.
كرة القدم الآسيوية والخليجية التي ننافسها اليوم ليست كرة الثمانينيات أو التسعينيات.
دول كثيرة استثمرت في الأكاديميات، والمدربين، والمنشآت، وتحليل البيانات، والاحتراف، والمسابقات السنية واكتشاف اللاعبين منذ الطفولة.
لذلك فإن استعادة مكانة الكويت لا تتحقق بمجرد محاولة إعادة ما كنا نفعله قبل أربعين عاماً.
علينا أن نبني كرة قدم تناسب عام 2030 وما بعده، لا أن نحاول استنساخ كرة قدم عام 1980.
والدليل على حجم التحدي ظهر في تصفيات كأس العالم 2026.
الكويت أنهت الدور الثالث في المركز السادس بالمجموعة برصيد خمس نقاط، بينما تقدمت كوريا الجنوبية والأردن، وتأهل العراق وعُمان إلى المرحلة التالية. ومن النتائج التي تختصر حجم الفجوة خسارة الكويت أمام فلسطين 0-2، وأمام عُمان 0-1، وأمام كوريا الجنوبية 1-3.
هذه النتائج لا تعني أن اللاعب الكويتي أقل موهبة.
لكنها تقول إن الموهبة وحدها لم تعد كافية.
الحل ليس مدرباً جديداً.. بل نظاماً جديداً
إذا أردنا معالجة المشكلة فعلياً، فنحن بحاجة إلى مشروع وطني لمدة عشر سنوات على الأقل، لا مشروع مرتبط ببطولة واحدة أو مجلس إدارة واحد.
نحتاج أولاً إلى تحديد هدف واضح ومعلن:
أين نريد أن تكون الكويت في التصنيف العالمي عام 2030 وعام 2034؟
ثم تتحول الإجابة إلى مؤشرات أداء سنوية يمكن للجمهور والإعلام والجهات الرياضية قياسها.
نحتاج إلى إدارة فنية وطنية دائمة لا تتغير بتغير مدرب المنتخب، تكون مسؤولة عن فلسفة الكرة الكويتية من تحت 12 سنة وحتى المنتخب الأول.
ونحتاج إلى دوري قوي بالفعل، لأن المنتخب القوي لا يمكن فصله عن قوة المسابقة المحلية.
ونحتاج إلى تطوير حقيقي للمدربين الكويتيين ومدربي المراحل السنية، وإلى أكاديميات بمعايير موحدة، ومسابقات منتظمة للصغار، وبرامج لاكتشاف المواهب في جميع مناطق الكويت، وليس انتظار اللاعب الموهوب حتى يصل بنفسه إلى أحد الأندية.
ويجب أن يدخل العلم بقوة إلى كرة القدم الكويتية: تحليل البيانات، الأحمال البدنية، الوقاية من الإصابات، التغذية الرياضية، علم النفس الرياضي، تحليل الفيديو وقياس أداء اللاعب.
كما ينبغي توسيع قاعدة الاختيار؛ فكل طفل موهوب في الكويت يجب أن يشعر بأن هناك طريقاً واضحاً يمكن أن ينقله من ملعب المدرسة أو الحي إلى أكاديمية ثم نادٍ ثم منتخب الكويت.
وهناك مؤشرات إيجابية يجب البناء عليها
النقد المنصف يقتضي ألا نتجاهل ما بدأ أخيراً.
FIFA أعلن في سبتمبر 2026 عن برامج تطوير قائمة في الكويت، من بينها برنامج كرة القدم للمدارس الذي استفاد منه، وفق FIFA، نحو 63 ألف طفل منذ إطلاقه في 2024، إضافة إلى برنامج تطوير المواهب وإنشاء أكاديمية الأزرق لفئتي تحت 12 و13 عاماً، ودوري وطني تحت 13 عاماً ومهرجانات لاكتشاف المواهب.
كما أعلنت الهيئة العامة للشباب والرياضة هذا الشهر مشروع استقطاب 15 مدرباً عالمياً للعمل مع فئة تحت 12 عاماً في الأندية، مع متابعة أسبوعية لأعمالهم وتقارير دورية.
هذه خطوات مهمة.
لكن التحدي الحقيقي هو الاستمرارية.
فالكرة الكويتية عانت كثيراً من المشاريع التي تبدأ بحماس ثم تتغير بتغير الأشخاص أو الإدارات.
نحن بحاجة إلى مشروع لا يتغير بتغير رئيس اتحاد أو مدرب أو مسؤول.
لنجعل 2034 موعداً للحساب
لماذا لا تضع الكويت خطة معلنة تمتد حتى عام 2034؟
ثماني سنوات كافية لبناء جيل كامل إذا بدأنا اليوم مع لاعبين في عمر 10 إلى 14 عاماً.
يجب أن يكون لدينا آلاف اللاعبين المسجلين في منظومة تطوير موحدة، ومدربون متخصصون للفئات السنية، ودوريات قوية لكل الأعمار، واختبارات فنية وبدنية دورية، وقاعدة بيانات وطنية للاعبين، وبرامج ابتعاث ومعايشة في أكاديميات ودوريات متقدمة.
والأهم أن يكون لكل دينار يصرف على تطوير كرة القدم هدف يمكن قياسه.
كم لاعباً أنتجنا؟
كم لاعباً احترف خارج الكويت؟
كم مدرباً حصل على مؤهلات متقدمة؟
كيف تطورت منتخبات تحت 17 و20 و23 عاماً؟
كيف تغير ترتيب المنتخب؟
وكم تقلص الفارق بيننا وبين المنتخبات الآسيوية المتقدمة؟
عندها تتحول كرة القدم من ردود أفعال إلى مؤسسة تعمل بالأرقام.
لا تبحثوا عن المسؤول عن الماضي.. ابحثوا عن المسؤول عن المستقبل
هذه المقالة ليست دعوة لمحاسبة جيل بعينه، ولا لتوجيه الاتهامات إلى شخص أو جهة.
بل هي نصيحة من محب للرياضة الكويتية.
الكويت تمتلك المال والمنشآت والتاريخ والجمهور، وتمتلك قبل ذلك كله الإنسان والموهبة.
وإذا استطاعت دولة صغيرة مثل الكويت أن تصنع قبل عقود منتخباً فاز بكأس آسيا ووصل إلى كأس العالم، فلا يوجد سبب يمنعها من بناء مشروع جديد يعيدها للمنافسة.
لكن التاريخ وحده لا يلعب المباريات.
ولا صور جيل 1982 ستمنحنا نقاطاً في تصفيات 2030.
علينا أن نحترم ذلك التاريخ بأن نبني مستقبلاً يليق به.
المركز 133 ليس المشكلة بحد ذاته؛ إنه جرس إنذار.
والمركز 24 ليس مجرد ذكرى جميلة؛ إنه دليل على أن الكويت عرفت يوماً كيف تبني منتخباً ينافس الكبار.
وبين الرقمين توجد قصة طويلة من التراجع، لكنها ليست نهاية القصة.
السؤال الآن ليس: من أوصل الكرة الكويتية إلى المركز 133؟
السؤال الأكثر أهمية هو:
من سيضع الخطة التي تعيد الأزرق، خلال السنوات المقبلة، إلى المكان الذي يليق بتاريخ الكويت؟
العودة لن تبدأ من مباراة قادمة، ولن يصنعها تغيير مدرب.
العودة تبدأ يوم نقرر أن نبني منظومة.. لا مجرد منتخب.












