بينما تتغير الأرقام يوماً بعد يوم، تبقى خلف كل رقم في قطاع غزة قصة إنسان وعائلة وبيت وذاكرة. وبعد ما يقارب ثلاثة أعوام من الحرب التي بدأت في السابع من أكتوبر 2023، تشير أحدث البيانات الصادرة عن الجهات الصحية الفلسطينية إلى أن حصيلة الشهداء الفلسطينيين في القطاع تجاوزت 74 ألفاً، فيما تخطى عدد المصابين 175 ألفاً.
ووفق أحدث حصيلة نشرتها وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية «وفا»، نقلاً عن مصادر طبية في قطاع غزة، ارتفع عدد الشهداء منذ بداية الحرب إلى 74,032 شهيداً، فيما بلغ إجمالي الإصابات 175,142 إصابة حتى 30 سبتمبر 2026.
وخلال الساعات الأربع والعشرين التي سبقت صدور التقرير، استقبلت مستشفيات قطاع غزة 9 شهداء، بينهم ثمانية شهداء جدد وشهيدة توفيت متأثرة بجروحها، إضافة إلى 31 مصاباً.
لكن هذه الأرقام لا تختصر وحدها حجم المأساة.
فوراء الحصيلة عشرات الآلاف من الأسر التي فقدت أبناءها أو آباءها أو أمهاتها، وأطفال عاشوا سنواتهم الأولى وسط القصف والنزوح وفقدان أفراد من عائلاتهم، في واحدة من أشد الأزمات الإنسانية التي شهدها القطاع.
74 ألف اسم.. وليس مجرد رقم
الأرقام اليومية التي تصدرها الجهات الصحية الفلسطينية تحولت مع استمرار الحرب إلى سجل ضخم للخسائر البشرية.
وتشير بيانات فلسطينية مستقلة للتوثيق إلى أن الأطفال والنساء يشكلون جزءاً كبيراً من الضحايا، فيما تستمر عمليات تحديث قوائم الشهداء مع التعرف على الضحايا وانتشال جثامين من المناطق المتضررة.
وتكشف بيانات «مرصد شيرين» الفلسطيني، الذي يعتمد ضمن مصادره على وزارة الصحة الفلسطينية ووكالة «وفا»، أن عام 2026 وحده شهد توثيق أكثر من ألف شهيد فلسطيني حتى أواخر سبتمبر، بينهم أكثر من 200 طفل ونحو 100 امرأة، مع تسجيل الغالبية الكبرى من الضحايا في قطاع غزة.
ولا تتطابق دائماً قواعد البيانات الفلسطينية المختلفة في أرقامها اللحظية، نتيجة اختلاف توقيت التحديث ومنهجية التوثيق وإضافة الأسماء بعد التحقق منها، ولذلك تبقى بيانات الجهات الصحية المصدر الأساسي للحصيلة اليومية المعلنة.
شهداء بعد وقف إطلاق النار
المأساة لم تتوقف بالكامل حتى بعد دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 11 أكتوبر 2025.
وبحسب المصادر الطبية التي نقلت عنها «وفا»، بلغ عدد الشهداء المسجلين منذ وقف إطلاق النار وحتى 30 سبتمبر 2026 نحو 1,431 شهيداً، فيما بلغ عدد المصابين خلال الفترة نفسها 5,026 مصاباً.
كما أعلنت الجهات الطبية عن انتشال جثامين 834 شهيداً خلال الفترة التي أعقبت وقف إطلاق النار.
وتشير هذه الأرقام إلى جانب آخر من مأساة غزة؛ فبعض الضحايا لم يدخلوا السجلات في يوم وفاتهم، وإنما أضيفوا لاحقاً بعد انتشال جثامينهم أو التعرف عليهم.
القصف مستمر
وفي 30 سبتمبر، أفادت وكالة «وفا» باستشهاد ستة فلسطينيين وإصابة 15 آخرين في قصف إسرائيلي استهدف مركبة في حي تل الهوى بمدينة غزة.
ونقلت الوكالة عن مجمع الشفاء الطبي وصول جثامين الشهداء والمصابين عقب الاستهداف.
كما أشارت مصادر طبية فلسطينية إلى استشهاد 13 فلسطينياً وإصابة 42 آخرين في استهدافات إسرائيلية بقطاع غزة منذ اليوم السابق.
ضحايا ما زالوا تحت الأنقاض
ويبقى أحد أكثر جوانب الحصيلة الفلسطينية صعوبة هو أن الرقم المعلن لا يعني بالضرورة أن جميع ضحايا الحرب قد تم حصرهم.
فالتقارير الطبية الفلسطينية أشارت مراراً إلى وجود ضحايا تحت الركام وفي مناطق يصعب على فرق الإسعاف والإنقاذ الوصول إليها.
وفي قطاع تعرضت فيه أحياء كاملة للدمار، يصبح الوصول إلى الجثامين والتعرف على أصحابها وتوثيق بياناتهم عملية قد تستغرق وقتاً طويلاً.
ولهذا فإن قراءة حصيلة الشهداء باعتبارها رقماً نهائياً تبقى غير دقيقة، إذ تخضع القوائم للمراجعة والتحديث كلما ظهرت معلومات أو تم انتشال ضحايا جدد.
الأطفال في قلب المأساة
ولعل الوجه الأكثر إيلاماً في سجل ضحايا غزة يبقى الأطفال.
فبيانات التوثيق الفلسطينية تظهر بصورة مستمرة أسماء أطفال بين الضحايا، من الرضع وحتى المراهقين.
وفي سبتمبر وحده، تضمنت السجلات الفلسطينية أسماء أطفال من غزة، بينهم طفلة في العاشرة من عمرها ورضيع، في مشهد يعكس حجم الخسائر التي تحملتها الأجيال الأصغر سناً خلال سنوات الحرب.
لكن الأثر على الأطفال لا يقتصر على الوفيات والإصابات؛ فهناك أيضاً من فقدوا أحد الوالدين أو كليهما، ومن عاشوا النزوح المتكرر، ومن تعطلت دراستهم أو فقدوا منازلهم.
نظام صحي تحت ضغط هائل
وتأتي الخسائر البشرية في وقت يعمل فيه النظام الصحي في غزة تحت ظروف شديدة الصعوبة.
فاستقبال عشرات ومئات آلاف المصابين على مدى سنوات الحرب وضع المستشفيات والطواقم الطبية أمام ضغط استثنائي، بالتزامن مع الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية ونقص الإمكانات الطبية.
وبالنسبة إلى الأطباء والمسعفين، لم تعد مهمة المستشفى تقتصر على علاج الجرحى، وإنما تشمل أيضاً استقبال جثامين الضحايا وتوثيق الوفيات ومحاولة التعرف على أصحاب الجثامين التي يتم انتشالها.
ما وراء الإحصاءات
بعد نحو ثلاثة أعوام، أصبحت لغة الأرقام جزءاً يومياً من أخبار غزة: شهداء، جرحى، مفقودون، منازل مدمرة ونازحون.
لكن الخطر في تكرار هذه الأرقام هو أن يتحول الإنسان نفسه إلى مجرد إحصائية.
74,032 شهيداً وفق أحدث حصيلة فلسطينية متاحة حتى 30 سبتمبر 2026 لا تعني 74 ألف رقم في جدول.
إنها عشرات الآلاف من القصص التي توقفت؛ آباء وأمهات، أطفال وشباب، أطباء وصحفيون ومسعفون ومعلمون وعائلات فقدت أكثر من فرد.
ومع استمرار تسجيل ضحايا جدد وانتشال جثامين من تحت الأنقاض، تبقى حصيلة غزة مفتوحة على المزيد من التحديث.
اقرأ أيضًا:
ترامب يطلق «عصر الذكاء الفائق».. اتفاق مع عمالقة التكنولوجيا يرسم قواعد جديدة للمستقبل












