قال بنك قطر الوطني (QNB) إن النظام التجاري العالمي يشهد تحولًا جوهريًا من عصر العولمة المتسارعة إلى واقع أكثر تشرذمًا تحكمه بصورة متزايدة الاعتبارات الاستراتيجية والجيوسياسية، محذرًا من أن استمرار هذا المسار قد يرفع التكاليف ويحد من الكفاءة ويفرض ضغوطًا على الإنتاجية والنمو العالمي.
وأوضح البنك، في تقريره الأسبوعي، أن التجارة الدولية مرت خلال ربع القرن الماضي بثلاث مراحل رئيسية، بدأت بحقبة «العولمة المفرطة» خلال العقد الأول من الألفية، ثم انتقلت إلى مرحلة «تباطؤ العولمة» عقب الأزمة المالية العالمية، وصولًا إلى المرحلة الراهنة التي تتسم بتصاعد النزعة الحمائية والقيود التجارية.
وأكد التقرير أن التحولات الحالية لا تعني تفكيك التجارة العالمية أو انهيار سلاسل الإمداد، وإنما تشير إلى إعادة تشكيلها وتوجيهها نحو شركاء يُنظر إليهم باعتبارهم أكثر موثوقية، بالتزامن مع زيادة تأثير الاعتبارات السياسية والأمنية في القرارات الاقتصادية والتجارية.
التجارة تضاعفت أربع مرات
وبحسب QNB، شكلت التجارة العالمية أحد أبرز محركات الاقتصاد الدولي منذ مطلع القرن الحالي، إذ تضاعفت قيمة التجارة في السلع والخدمات أربع مرات بين عامي 2000 و2024، بينما وصلت نسبة التجارة إلى الناتج العالمي إلى ذروتها عند نحو 60% في عام 2008.
وساهم انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية عام 2001، إلى جانب انتشار سلاسل القيمة العالمية وانخفاض تكاليف التجارة وتطور تكنولوجيا المعلومات والشحن وتحرير الأسواق، في تحقيق توسع غير مسبوق في حركة السلع والخدمات عبر الحدود.
ونمت التجارة العالمية خلال تلك المرحلة بمعدل يقارب ضعف نمو الاقتصاد العالمي، الأمر الذي ساهم في تعزيز اندماج الاقتصادات الناشئة في الأسواق الدولية.
وارتفعت حصة الأسواق الناشئة من إجمالي التجارة العالمية من نحو 25% في بداية القرن الحالي إلى قرابة 40% حاليًا، في تحول أسهم بصورة كبيرة في إعادة رسم الخريطة الجغرافية للتجارة الدولية.
أزمة 2008 أنهت «العولمة المفرطة»
وحدد التقرير الأزمة المالية العالمية عام 2008 باعتبارها نقطة التحول الرئيسية، إذ انتهت بعدها مرحلة النمو التجاري السريع ودخل الاقتصاد العالمي حقبة أطلق عليها «تباطؤ العولمة».
وبعد الانكماش الذي صاحب الأزمة والتعافي المسجل في عامي 2009 و2010، استقرت التجارة على معدلات نمو أقل، وانخفضت العلاقة بين نمو التجارة ونمو الناتج العالمي من نحو اثنين إلى واحد قبل الأزمة إلى قرابة واحد إلى واحد بعدها.
وأرجع البنك هذا التحول، من بين عوامل أخرى، إلى وصول التوسع في سلاسل القيمة العالمية إلى مرحلة أكثر نضجًا، بالتزامن مع اتجاه اقتصادات رئيسية، وفي مقدمتها الصين، إلى الاعتماد بصورة أكبر على الطلب المحلي كمحرك للنمو.
الحمائية تعيد رسم خريطة التجارة
أما المرحلة الثالثة، فيصفها QNB بأنها الأكثر تأثيرًا، مع تصاعد النزعة الحمائية والرسوم الجمركية والسياسات الصناعية الرامية إلى تقليل المخاطر المرتبطة بسلاسل الإمداد.
واستنادًا إلى بيانات «Global Trade Alert»، أشار التقرير إلى أن عدد الإجراءات الجديدة المقيدة للتجارة المطبقة عالميًا تضاعف تقريبًا بين العقد المنتهي في 2010 والعقد المنتهي في 2020، مرتفعًا من نحو 3 آلاف إلى قرابة 6 آلاف إجراء سنويًا.
كما ارتفعت قيمة الواردات المتأثرة بالتعريفات الجمركية الجديدة وغيرها من إجراءات الاستيراد خلال العام الماضي بأكثر من أربعة أضعاف، لتبلغ أعلى مستوى من حيث التغطية خلال أكثر من 15 عامًا من الرصد.
ويرى البنك أن موجات رفع الرسوم والإجراءات التقييدية بين الاقتصادات الكبرى، إلى جانب توسع السياسات الصناعية ومحاولات تقليل مخاطر الاعتماد على سلاسل توريد بعيدة، دفعت مستويات عدم اليقين المرتبطة بالسياسات التجارية إلى مستويات مرتفعة تاريخيًا.
مخاطر على النمو والأسعار
وحذر QNB من أن تداعيات هذا التحول تتجاوز حجم المبادلات التجارية، لتصل إلى النمو والأسعار والإنتاجية، فضلًا عن تأثيرها المحتمل في الاقتصادات الناشئة التي استفادت خلال العقود الماضية من انفتاح الأسواق لتعزيز النمو وتقليص الفجوة مع الاقتصادات المتقدمة.
وبعد نمو حجم تجارة السلع العالمية بنحو 3% خلال عام 2024، أشار التقرير إلى توقعات بتباطؤ النمو بصورة حادة، في ظل استمرار القيود التجارية وحالة عدم اليقين.
كما استشهد البنك بتحذيرات منظمة التجارة العالمية من أن انتشار الإجراءات المقيدة للتجارة وعدم وضوح السياسات يمثلان من أبرز المخاطر التي تواجه آفاق التجارة الدولية.
وخلص QNB إلى أن العالم لا يتجه بالضرورة نحو نهاية التجارة العالمية، وإنما نحو نظام تجاري أكثر تجزؤًا على أسس جيوسياسية، مع إعادة توجيه التجارة وسلاسل التوريد نحو شركاء تعتبرهم الدول أكثر موثوقية.
ويرى البنك أن هذا التحول قد يوفر للدول قدرًا أكبر من الحماية ضد مخاطر سلاسل الإمداد، لكنه يأتي في المقابل بتكلفة اقتصادية تتمثل في ارتفاع النفقات وانخفاض الكفاءة، وهو ما قد يفرض ضغوطًا متراكمة على الإنتاجية العالمية بمرور الوقت.
اقرأ أيضًا:
إيطاليا تضخ 1.55 مليار يورو لتحديث البنية التحتية للمياه في 17 منطقة












