عادت مخاوف التضخم لتفرض نفسها بقوة على السياسة النقدية الأميركية، مع تمسك مسؤولي مجلس الاحتياطي الفيدرالي بالحذر تجاه مسار الأسعار، في وقت تراقب فيه الأسواق احتمالات اتخاذ خطوات إضافية لرفع أسعار الفائدة خلال الفترة المقبلة.
وأظهرت أحدث البيانات الرسمية الصادرة عن مكتب التحليل الاقتصادي الأميركي أن مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي PCE، وهو أحد أهم مقاييس التضخم التي يتابعها الاحتياطي الفيدرالي، ارتفع بنسبة 3.7% على أساس سنوي في يوليو، فيما بلغ التضخم الأساسي، الذي يستبعد أسعار الغذاء والطاقة الأكثر تقلباً، 3.3%. ومن المقرر صدور بيانات أغسطس في 30 سبتمبر.
وتأتي هذه المستويات أعلى من هدف الاحتياطي الفيدرالي للتضخم البالغ 2%، وسط مؤشرات على أن ضغوط الأسعار لم تعد مرتبطة فقط بارتفاع تكاليف الطاقة والرسوم الجمركية.
وكان مجلس الاحتياطي الفيدرالي قد رفع سعر الفائدة خلال اجتماعه في سبتمبر بمقدار ربع نقطة مئوية إلى نطاق 3.75% – 4%، فيما تتابع الأسواق تصريحات مسؤولي البنك بحثاً عن مؤشرات بشأن الخطوات المقبلة.
وقال رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في ريتشموند، توماس باركين، إن الظروف الاقتصادية الأميركية تبدو أكثر قوة، مشيراً إلى استمرار الإنفاق الاستهلاكي وظهور زخم اقتصادي يتجاوز طفرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي.
وأوضح باركين أن مخاطر التضخم أصبحت في الوقت الراهن أكبر من المخاطر المتعلقة بتحقيق أقصى مستويات التوظيف، مضيفاً أن الضغوط السعرية لم تعد محصورة في الطاقة أو تأثير الرسوم الجمركية، وإنما أصبحت أكثر انتشاراً في الاقتصاد.
وفي الاتجاه نفسه، حذر رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في شيكاغو أوستان غولسبي من أن قوة الطلب داخل الاقتصاد الأميركي قد تكون أصبحت مصدراً إضافياً للتضخم، إلى جانب صدمات أسعار النفط والرسوم الجمركية.
وأشار إلى أن الاستثمارات الضخمة في الذكاء الاصطناعي واستمرار التضخم المرتفع في قطاع الخدمات قد يعنيان أن ضغوط الأسعار أصبحت أوسع نطاقاً، وهو ما قد يستدعي استجابة أكثر قوة من السياسة النقدية إذا تأكد أن الطلب يتجاوز قدرة الاقتصاد على الاستيعاب.
وتكتسب تطورات السياسة النقدية الأميركية أهمية مباشرة للأسواق العالمية والخليجية، إذ تؤثر أسعار الفائدة الأميركية في حركة الدولار وعوائد السندات وتدفقات رؤوس الأموال وأسعار الأسهم والسلع.
وبالنسبة للكويت، ترتبط السياسة النقدية الأميركية بأهمية إضافية نظراً إلى ارتباط الدينار الكويتي بسلة من العملات يمنح فيها الدولار وزناً مؤثراً، ما يجعل تحركات الفائدة الأميركية أحد العوامل التي تؤخذ في الاعتبار عند متابعة السياسة النقدية المحلية وأوضاع السيولة والائتمان.
كما أن استمرار ارتفاع أسعار النفط يمثل عاملاً إضافياً تراقبه البنوك المركزية، إذ يمكن أن تنتقل تكاليف الطاقة المرتفعة إلى أسعار النقل والإنتاج والسلع، بما يزيد صعوبة إعادة التضخم إلى المستويات المستهدفة.
وكان الاحتياطي الفيدرالي قد أشار في تقريره النقدي الأخير إلى أن التضخم ارتفع بصورة ملحوظة خلال العام الجاري، بعد ارتفاع أسعار الطاقة في أعقاب اندلاع الصراع في الشرق الأوسط، إضافة إلى تأثير الرسوم الجمركية في أسعار بعض السلع الاستهلاكية.
وتترقب الأسواق الآن بيانات التضخم الأميركية لشهر أغسطس المقرر إعلانها في 30 سبتمبر، والتي قد توفر مؤشراً أكثر وضوحاً بشأن ما إذا كانت ضغوط الأسعار مستمرة، ومدى حاجة الاحتياطي الفيدرالي إلى المزيد من التشديد النقدي.
وتبقى المعادلة أمام البنك المركزي الأميركي دقيقة بين احتواء التضخم من جهة، وتجنب تشديد السياسة النقدية بدرجة تؤثر بقوة في النمو وسوق العمل من جهة أخرى، فيما ستظل أسعار الطاقة وقوة الاستهلاك والاستثمار وبيانات الأسعار المقبلة عوامل رئيسية في تحديد اتجاه الفائدة خلال الأشهر المقبلة.
اقرأ أيضًا:
برنت فوق 100 دولار.. أسواق النفط تترقب تطورات الخليج ومسار التهدئة مع إيران












